منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، والإسلام يواجه محاولات متعددة لتحريفه أو تشويه صورته؛ تارةً يكون من أعدائه، وتارةً أخرى يقع على أيدي بعض المنتسبين إليه ممن يسيئون فهم نصوصه، أو يرفعون شعارات براقة مثل التجديد، بينما يفرغون الدين من ثوابته وأصوله.
وأصبحنا نرى ونقرأ من يقدم قراءة مشوهة للنصوص، قائمة على الجهل باللغة العربية وأصول العقيدة والتفسير، فصار يهدم القطعيات والثوابت باسم التجديد، ويطعن في فهم الأمة المعتمد عبر قرون باسم العقلانية، ويطعن في السنة النبوية أو التشكيك في حجيتها، وإعادة تفسير النصوص القطعية بما يخالف إجماع الأمة، بل وصل الأمر إلى تقديم الأهواء والثقافات الوافدة على النصوص الشرعية الثابتة بحجة مواكبة العصر، وتصوير الالتزام بالدين على أنه تخلف وتشدد، فضلًا عن إثارة الشبهات بين الشباب دون تقديم منهج علمي رصين، والتفريط والانفلات بإلغاء الأحكام الشرعية أو التهوين منها، واقتطاع النصوص وإخراجها من سياقها، كذلك الفتوى بغير علم عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وربط الإسلام بأخطاء بعض أتباعه، بينما الإسلام بريء من تلك الممارسات.
فهذا ليس تجديدًا، بل هو تغيير لمعالم الدين، وهو ما حذر الله منه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].
فالمنهج الإسلامي يقوم على فهم النصوص، وقواعد اللغة العربية، وأصول الشريعة، مع إتاحة باب الاجتهاد والإفادة من معارف العصر، دون الإخلال بالمقاصد أو الثوابت. فتجديد الفكر الديني لا يعني تغيير الثوابت، وإنما وسائل العرض وآليات الفهم، بما يربط النصوص الشرعية بواقع الناس ويجيب عن تساؤلاتهم بلغة علمية رصينة.
فإذا كان التجديد لا يعني تقليدًا بلا بينة، فإنه لا يعني تبديدًا للشرع تحت أي مسمى كان، كما أنه لا يجب أن ينصرف معناه إلى التجديد في الدين والشرع ذاته، بل هو في حقيقته إصلاح لعلاقة المسلمين بالدين، والتفاعل مع أصوله، والاهتداء بهديه؛ انطلاقًا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
ومن المسلم به لدى أهل العلم أن السابقين من فقهاء الأمة تركوا لنا إرثًا معرفيًا وفقهيًا عظيمًا، وهو على وجهين: ثوابت ومتغيرات. أما الثوابت فلا نملك فيها إلا التسليم والإذعان؛ لأنها تمثل حجر الأساس لهذا الدين. وأما المتغيرات فعلى شقين: الأول ما يستند إلى أدلة ظنية تحتمل الرأي والرأي الآخر، والشق الآخر ما بُني على قاعدة العرف وأحوال الناس، وهنا موطن الإبداع والفكر، فما صلح لزمان الفقهاء وأعرافهم وأحوالهم قد لا يكون صالحًا لزماننا وأعرافنا، وهنا يأتي دور الباحث اللبيب الذي يراعي هذا الجانب بتغير الزمان والمكان وأحوال الناس.
فالفكر الإسلامي الذي يراد له التجديد هو تلك المنظومة الفكرية والعلمية والثقافية والفلسفية والحضارية التي ينتجها الفقيه، والمفكر، والفيلسوف، والمثقف، اعتمادًا على فهم النص وفق الضوابط الشرعية، وفهم الواقع ببصيرة ورسالة قرآنية. وبناءً على ذلك فإن الفكر الإسلامي اجتهاد بشري قابل للخطأ والصواب، وليست له صفة القداسة.
فالتجديد قيمة إسلامية أصيلة، لكنه لا يعني تغيير الدين أو هدم ثوابته، وإنما يعني إعادة الدين إلى صفائه الأول، وإحياء مقاصده وقيمه في حياة الناس. أما تحويل شعار التجديد إلى وسيلة للطعن في القرآن أو السنة أو الأحكام القطعية، فهو لون من ألوان التشويه الفكري الذي يجب أن يواجه بالعلم والحكمة والحوار الرصين.
فالأمة أحوج ما تكون إلى تجديد منضبط يحافظ على هوية الإسلام، ويواكب تحديات العصر، بعيدًا عن الغلو من جهة، أو التفريط والتبديل من جهة أخرى، ليبقى الإسلام كما أنزله الله هداية ورحمة وعدلًا للعالمين.