في العمل الصحفي تمر علينا عشرات الزيارات واللقاءات، بعضها ينتهي بانتهاء الحوار، وبعضها يترك انطباعًا يدفعك إلى البحث أكثر. هذا بالضبط ما حدث معي عندما زار النائب أحمد سيد أحمد مقر "نيوز روم".
في البداية لم أكن أعرف عنه الكثير. رأيته يدخل بالهدوء الذي يتميز به أبناء الجنوب، ببشرة سمراء تضفي على ملامحه وقارًا طبيعيًا. كان يتحرك بثقة، يصافح بود، يبادر ويقبل على من يصافحه في تواضع، يتبادل كلمات بسيطة، لكنها تحمل قدرًا واضحًا من الاحترام والتقدير للصحافة والعاملين بها. لم يكن في حضوره ما يوحي بالتكلف، بل بهدوء شخص يعرف كيف يترك انطباعاً عميقا، دون أن يسعى إليه.
لم تكن كلماته رسمية أو مجاملات تقليدية، لكنها كانت كافية لتدفعني للتساؤل: من هذا الرجل؟.
عرفت أنه نائب عن محافظة قنا، لكن فضولي المهني لم يتوقف عند ذلك. وبعد انتهاء اللقاء، وجدتني أبحث عنه أكثر، ثم شاهدت الحوار الذي أجراه مع الزميلة رشا البعل في بودكاست "راقب نائب". وقتها بدأت تتكون لدي صورة عن الرجل، لا من خلال ما قيل عنه، وإنما من خلال ما قرأته وشاهدته بنفسي.
وكانت الزيارة في حد ذاتها فرصة مهنية مميزة بالنسبة لنا في نيوز روم. فقد حرص الأستاذ أحمد صبري، رئيس التحرير، على استقبال النائب وتعريفه بفريق العمل، في أجواء بسيطة عكست روح المؤسسة واحترامها لضيوفها، كما أظهرت حجم الجهد الذي يبذله فريق التحرير لإنتاج محتوى مهني يليق بالقارئ.
وخلال متابعتي للحوار، لفتتني أيضًا طريقة إدارة الزميلة رشا البعل للنقاش. فقد أدارت اللقاء بهدوء وثقة، وابتعدت عن الأسئلة التقليدية، ومنحت ضيفها المساحة الكافية لعرض أفكاره ورؤيته. ولم يكن ذلك غريبًا عليها، فهي خريجة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، واهتمامها بالقراءة والشأن العام انعكس بوضوح على طبيعة الأسئلة وتسلسلها، فخرج الحوار متوازنًا وقريبًا من عقل المشاهد ومعبراً عن أهل الصعيد جميعاً.
بعدها بدأت رحلة البحث. اكتشفت أنني أمام نائب لا يتحدث فقط عن الخدمات اليومية أو الطلبات البرلمانية المعتادة، وإنما يحمل اهتمامًا واضحًا بملف يؤمن به، وهو السياحة، خاصة في محافظات الصعيد. وخلال الحوار كان يتحدث عن قنا باعتبارها محافظة تمتلك كنوزًا أثرية وسياحية وتاريخية تستحق حضورًا أكبر على خريطة السياحة المصرية، وأن الاستثمار فيها يمكن أن يفتح أبوابًا جديدة للتنمية، ويوفر فرص عمل لأبناء المحافظة.
وكلما واصلت القراءة، اكتشفت جوانب أخرى في شخصيته. فهو لم يأت إلى هذا الملف من باب الاهتمام العابر، بل يمتلك خلفية علمية مرتبطة به. فقد درس الأدب الإنجليزي والقانون، ثم واصل دراسته الأكاديمية حتى حصل على درجة الماجستير في الحقوق، واختار أن تكون رسالته العلمية مرتبطة بقطاع السياحة في مصر، والتحديات التي تواجهه وسبل تطويره. كما يتقن أكثر من لغة أجنبية، من بينها الروسية والألمانية، وهو ما يعكس اهتمامًا بالاطلاع على التجارب المختلفة والانفتاح على الثقافات الأخرى.
إن اهتمام النائب بقنا لا يقتصر على التصريحات الإعلامية، بل يظهر أيضًا في نشاطه النيابي، من خلال طرح القضايا التي تمس أبناء المحافظة، والسعي إلى لفت الانتباه لما تمتلكه من مقومات تنموية وسياحية لم تحصل بعد على ما تستحقه من اهتمام. وربما لهذا السبب ظل اسم قنا حاضرًا في معظم أحاديثه، باعتبارها محافظة تملك فرصًا كبيرة إذا توافرت لها الرؤية والاستثمار.
وأثناء مشاهدة الحوار، شعرت أن ما يميز النائب أحمد سيد أحمد ليس كثرة الكلام، وإنما محاولته تقديم أفكار قابلة للنقاش، بعيدًا عن الشعارات. فقد كان يتحدث عن السياحة باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا وتنمويًا، لا مجرد قطاع خدمي، ويرى أن محافظات الصعيد تستطيع أن تكون جزءًا أساسيًا من خريطة السياحة العالمية إذا أُحسن استثمار ما تمتلكه من آثار وتراث وتاريخ.
بالنسبة لي، فقد كانت هذه الزيارة سببًا في التعرف على شخصية لم أكن أعرف عنها الكثير قبل ذلك اليوم. وهي أيضًا مناسبة أظهرت حجم العمل الذي يقوم به فريق نيوز روم، من إعداد وتصوير ومونتاج وإخراج، حتى خرج اللقاء بالصورة التي شاهدها الجمهور، في عمل شارك فيه الجميع بروح الفريق الواحد.
أوجه الشكر إلى النائب أحمد سيد أحمد على حضوره وحواره، وإلى الأستاذ أحمد صبري، رئيس التحرير، على حرصه الدائم على أن تكون نيوز روم مساحة تستضيف أصحاب الأفكار والتجارب المختلفة، كما أوجه التحية إلى الزميلة رشا البعل على إدارتها المهنية للحوار، وإلى جميع زملائي في فريق العمل الذين بذلوا جهدًا كبيرًا ليخرج اللقاء بهذه الصورة.
خرجت من هذه التجربة بانطباع بسيط، لكنه صادق؛ أحيانًا تكون مصافحة عابرة هي بداية حكاية جديدة. وما بدأ بالنسبة لي بتحية قصيرة داخل غرفة الأخبار، انتهى بمعرفة أوسع بشخصية برلمانية تحمل رؤية لقضية تؤمن بها. وربما لهذا السبب بقي هذا اللقاء حاضرًا في ذاكرتي؛ لأنه لم يكن مجرد زيارة لمقر صحفي، بل فرصة للتعرف على إنسان اختار أن يجعل من الدفاع عن محافظته والسعي لتنميتها جزءًا أساسيًا من رسالته وحياته.