عاجل

هناك أعمال فنية لا يملك الزمن أن يهزمها. تمر عليها عشرات السنين، لكنها تظل حاضرة في البيوت، وعلى الشاشات، وفي ذاكرة الناس، كأنها وُلدت بالأمس. هذه الحقيقة لم تعد مجرد ظاهرة فنية، بل أصبحت قضية تستحق التأمل، لأن بقاء العمل الفني حاضرًا بعد عقود يعني أن قيمته لم تنتهِ، وأن تأثيره لا يزال مستمرًا، وأن طريقة التعامل مع هذا الواقع تستحق نقاشًا هادئًا وعميقًا.

لقد تغيرت صناعة الفن أكثر مما تغيرت خلال أي مرحلة سابقة. في الماضي كان العمل الفني يرتبط بموسم عرضه، ثم يبدأ حضوره في التراجع مع مرور الوقت. أما اليوم، فقد ألغت المنصات الرقمية والقنوات المتخصصة فكرة "العرض الأخير". أصبح الفيلم أو المسلسل قادرًا على الوصول إلى جمهور جديد كل يوم، وأصبح من الممكن أن يحقق حضورًا متجددًا بعد سنوات طويلة من إنتاجه. وهذا التحول يفرض إعادة التفكير في كثير من المفاهيم التي نشأت في زمن كانت فيه وسائل العرض محدودة.

ومن هنا يبرز النقاش حول الحقوق المرتبطة باستمرار استغلال الأعمال الفنية. وليس المقصود من هذا النقاش الانحياز إلى طرف أو آخر، بل البحث عن أفضل صيغة تواكب الواقع الجديد. فالصناعة الفنية لا تقوم على الموهبة وحدها، كما لا تقوم على رأس المال وحده. إنها منظومة يشارك فيها الكاتب، والمخرج، والممثل، والمنتج، والموزع، وجهات العرض، ولكل طرف دور لا يكتمل العمل من دونه.

والسؤال الحقيقي ليس: من يربح أكثر؟ بل: كيف يمكن بناء قواعد تحقق الاستقرار والثقة بين جميع الشركاء؟ فالصناعات الإبداعية لا تزدهر في ظل الغموض، وإنما تحتاج إلى قواعد واضحة يعرف الجميع من خلالها حقوقهم والتزاماتهم. وكلما كانت هذه القواعد أكثر وضوحًا، أصبحت بيئة الإنتاج أكثر استقرارًا، وأصبح الاستثمار أكثر اطمئنانًا، وأصبح المبدع أكثر قدرة على التركيز فيما يجيده: إنتاج أعمال تترك أثرًا في المجتمع.

ولعل أهم ما يميز الفن عن غيره من مجالات الإنتاج أن قيمته لا تُقاس فقط بما يحققه في لحظة عرضه الأولى. فهناك أعمال لم تحقق نجاحًا كبيرًا عند إنتاجها، ثم أصبحت بعد سنوات من علامات الثقافة العربية. وهناك أعمال أخرى ارتبطت بوجدان الناس حتى تحولت إلى جزء من ذاكرتهم الجمعية. وهذه الطبيعة الخاصة تجعل النقاش حول الحقوق الفنية مختلفًا عن النقاش في كثير من القطاعات الأخرى، لأنه يتعامل مع منتج يجمع بين القيمة الاقتصادية والقيمة الثقافية في الوقت نفسه.

ومن منظور أكاديمي، فإن حماية الحقوق الفكرية تُعد أحد العناصر الأساسية في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والإبداع. فكلما شعر أصحاب الأعمال بأن هناك نظامًا قانونيًا واضحًا ينظم الحقوق والالتزامات، ازدادت الثقة في الاستثمار طويل الأجل، وارتفعت جودة الإنتاج، وأصبحت البيئة أكثر قدرة على جذب المواهب ورؤوس الأموال معًا. وفي المقابل، فإن أي نظام قانوني لا ينجح بمجرد صدوره، وإنما ينجح بوضوح آليات تطبيقه، وشفافية إجراءاته، وقدرته على تحقيق العدالة العملية.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن يبقى الحوار مفتوحًا بين جميع الأطراف المعنية. فالقضايا المرتبطة بالملكية الفكرية والحقوق الفنية تتطور مع تطور التكنولوجيا، ولا يمكن التعامل معها بمنطق ثابت لا يتغير. ولذلك فإن مراجعة التشريعات، والاستفادة من الخبرات المقارنة، والاستماع إلى آراء الممارسين في الصناعة، كلها خطوات تساعد على الوصول إلى حلول أكثر توازنًا وملاءمة للواقع.

ومن الإنصاف أيضًا الإشارة إلى الجهود التي يبذلها عدد من رموز الفن المصري في طرح هذا الملف وإثراء النقاش حوله. فقد كان للدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، دور بارز في متابعة هذه القضية وطرحها للنقاش داخل الأوساط المهنية، كما أسهم الفنان والنائب ياسر جلال في دعم مناقشة هذا الملف انطلاقًا من اهتمامه بتطوير البيئة المهنية للفنانين. كما يستحق التقدير الفنانون الذين أعلنوا مساندتهم لفكرة تعزيز حماية الحقوق المرتبطة بالإبداع، وفي مقدمتهم الفنان القدير يحيى الفخراني، والنجمة إلهام شاهين، والنجمة هالة صدقي، إلى جانب كل الفنانين الذين يشاركون في الحوار حول مستقبل الحقوق الفنية. فإثراء هذا النقاش من جانب أصحاب الخبرة والتجربة يمثل عنصرًا مهمًا في الوصول إلى رؤى عملية ومتوازنة تخدم تطور الصناعة الفنية وتحافظ على مكانة الفن المصري وريادته.

إن الفن المصري يمتلك تاريخًا استثنائيًا، ليس فقط بسبب عدد الأعمال التي أُنتجت، وإنما بسبب تأثيرها العميق في الوعي العربي. وهذا الإرث الثقافي الكبير يضع مسؤولية مضاعفة على كل من يعمل في هذه الصناعة؛ مسؤولية الحفاظ على التراث، وفي الوقت نفسه تطوير الأدوات القانونية والتنظيمية التي تضمن استمرار ازدهاره. فالتاريخ وحده لا يكفي للحفاظ على الريادة، بل تحتاج الريادة إلى مؤسسات قادرة على مواكبة المتغيرات.

ومن الخطأ اختزال أي نقاش حول الحقوق الفنية في بعد مالي فقط. فالمسألة في جوهرها ترتبط بكيفية بناء بيئة تحترم الإبداع، وتشجع الاستثمار، وتدعم استدامة الصناعة. وعندما يشعر كل طرف بأن حقوقه مصونة وفق قواعد معلنة وعادلة، يصبح التركيز منصبًا على جودة العمل الفني بدلًا من الانشغال بالخلافات التي قد تعيق التطور.

ويبقى أن مستقبل الفن لن تصنعه القوانين وحدها، كما لن تصنعه المواهب وحدها. المستقبل تصنعه العلاقة المتوازنة بين التشريع والإبداع، وبين الاستثمار والثقافة، وبين حماية الحقوق وتشجيع الإنتاج. وكلما اقتربت هذه العناصر من الانسجام، ازدادت قدرة الفن على أداء رسالته الإنسانية، بوصفه مساحة للتعبير، ومرآة للمجتمع، وجسرًا يربط الماضي بالحاضر، ويفتح الطريق أمام أجيال جديدة تحمل الشعلة إلى المستقبل.

تم نسخ الرابط