عندما نتحدث عن دور الرعاية والبيوت الصغيرة لرعاية الأيتام، فإن الحديث لا يجب أن ينصرف إلى المباني أو اللوائح فقط، بل إلى الطفل نفسه؛ فهو محور المنظومة كلها، وأي رقابة لا تنعكس على حياته بشكل مباشر تصبح مجرد إجراء إداري، مهما كانت دقتها.
وهنا نتوقف أمام بعض أعمال التفتيش على دور الرعاية، وهي مشكلة تستحق المراجعة؛ فالتركيز ينصب أحيانًا على دفاتر الوجبات، وسجلات الأنشطة، والانضباط الإداري، بينما تبقى ملفات أكثر أهمية في حاجة إلى قراءة متخصصة، مثل الملف الصحي، والتقرير الدراسي، والمتابعة النفسية.. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل الهدف هو مراجعة الأوراق، أم الاطمئنان إلى أوضاع الأطفال؟
لا أحد يختلف على أهمية السجلات، فهي جزء من العمل المؤسسي، لكن لا يجوز أن تتحول إلى الهدف نفسه. قد تجد الدفاتر مكتملة، بينما طفل يعاني من مشكلة صحية تحتاج إلى متابعة، أو آخر تراجع مستواه الدراسي بصورة واضحة، أو ثالث تظهر عليه تغيرات نفسية تستوجب التدخل.. هذه التفاصيل لا تكشفها استمارة، ولا يجيب عنها دفتر.
المشكلة لا تتعلق بكفاءة الأخصائي الاجتماعي، وإنما بطبيعة المهمة المكلف بها؛ فمن غير المنطقي أن يُطلب من شخص واحد مراجعة ملف طبي مليء بالمصطلحات المتخصصة، ثم ينتقل إلى تقرير تعليمي، ثم يقيم الحالة النفسية، ثم يراجع الجوانب الإدارية.. لكل مجال أدواته، ولكل تخصص خبراؤه.
ولهذا فإن تطوير الرقابة يبدأ من الاعتراف بأن العمل الفردي لم يعد كافيًا.. فالطفل داخل دار الرعاية يحتاج إلى من ينظر إلى حالته من أكثر من زاوية، وليس من زاوية واحدة. وجود طبيب ضمن لجان التفتيش يضمن مراجعة الملف الصحي بصورة صحيحة، ووجود متخصص تربوي يسمح بتقييم المستوى الدراسي، بينما يتولى الأخصائي النفسي متابعة الجوانب السلوكية والانفعالية، ويقوم الأخصائي الاجتماعي بدوره في تقييم البيئة المعيشية والعلاقات داخل الدار.
هناك أيضًا مشكلة عملية لا يمكن تجاهلها.. كثير من التقارير الطبية تُكتب باللغة الإنجليزية، وتضم مصطلحات لا يستخدمها إلا الأطباء، كما أن بعض المدارس، خاصة مدارس اللغات، تصدر تقارير تحتاج إلى معرفة بطريقة التقييم والمناهج.. فكيف يمكن مطالبة مفتش غير متخصص بإصدار حكم دقيق على هذه الملفات؟ المطلوب هنا ليس تحميله مسؤولية أكبر، وإنما توفير الأدوات التي تساعده على أداء عمله.
أحد الحلول البسيطة هو اعتماد ملخص صحي معتمد يعده الطبيب المعالج بصورة دورية، يوضح الحالة العامة للطفل، والأدوية التي يتناولها، وأبرز الملاحظات الطبية. وينطبق الأمر نفسه على الملف الدراسي، بحيث تقدم المدرسة تقريرًا مختصرًا يوضح مستوى الطفل، ونسبة حضوره، وأي ملاحظات تستحق المتابعة.. بهذه الطريقة تصل المعلومة واضحة إلى جهة الرقابة، دون الحاجة إلى تفسير تقارير معقدة.
ولا يقل التدريب أهمية عن تطوير النماذج؛ فالأخصائي الاجتماعي ليس مطلوبًا منه تشخيص الأمراض، لكنه يحتاج إلى معرفة العلامات التي تستوجب الانتباه، وأن يميز بين الحالة المستقرة والحالة التي تحتاج إلى تدخل عاجل.. هذا النوع من التدريب يختصر الوقت، ويرفع كفاءة المتابعة، ويمنع ضياع مؤشرات قد تكون مهمة.
وأيضًا التحول الرقمي يمكن أن يقدم إضافة كبيرة في هذا الملف؛ فإن وجود قاعدة بيانات إلكترونية لكل طفل يسهل متابعة تطوره الصحي والتعليمي، ويتيح مقارنة حالته من زيارة إلى أخرى، كما يساعد جهات الرقابة على اكتشاف أي تراجع بسرعة، بدلاً من الاعتماد على ملفات ورقية قد يصعب الرجوع إليها أو تحليلها.
ومن المهم أيضًا أن يتغير مفهوم التفتيش نفسه.. المطلوب ليس تسجيل الملاحظات فقط، وإنما متابعة نتائجها؛ فإذا رصدت اللجنة مشكلة صحية، فهل عولجت؟ وإذا سجلت ضعفًا دراسيًا، فهل تحسن المستوى بعد أشهر؟ وإذا أوصت بدعم نفسي، فهل نُفذت التوصية؟ الرقابة لا تنتهي بكتابة التقرير، وإنما تبدأ بعده.
في المقابل، فإن الالتزام بالإجراءات القانونية المنظمة لعمل دور الرعاية يظل جزءًا أساسيًا من حماية الأطفال، وأي تحرك يتعلق بالطفل، سواء داخل الدار أو خارجها، يجب أن يتم وفق الضوابط والاختصاصات المعتمدة، حفاظًا على حقوقه وسلامته، وحماية للمؤسسة والعاملين بها.
تطوير الرقابة لا يحتاج إلى لوائح جديدة بقدر ما يحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات.. الطفل هو الأولوية، وكل ما عداه وسيلة لخدمته، فإذا نجحت منظومة التفتيش في اكتشاف المشكلات مبكرًا، ومتابعة علاجها، والاستفادة من خبرات المتخصصين، فإنها تكون قد أدت دورها الحقيقي.
أما إذا ظل الاهتمام الأكبر منصبًا على استكمال الدفاتر ومحاضر الزيارة، فستبقى الرقابة تدور في نطاق الأوراق، بينما تستمر القضايا الأهم بعيدًا عن دائرة الاهتمام.. وهذا ما لا يليق بمنظومة هدفها الأول حماية الطفل، وصون حقوقه، وتوفير بيئة تمنحه فرصة حقيقية للنمو والحياة الكريمة.