عاجل

تمارس إيران حاليًا لعبة الشطرنج بينما تمارس أمريكا لعبة الرجبي في ساحة الحرب الحالية، والمعروف أن لعبة الشطرنج انتقلت من الهند إلى الإمبراطورية الفارسية حيث أسهم الفرس في تطويرها وانتقالها إلى العالم، أما كرة القدم الأمريكية فهي تشبه رياضة الرجبي لأن الغرض في اللعبة هو تخطي لاعبي الفريق الخصم والوصول إلى نهاية منطقة الخصم، ويمكن حمل الكرة باليدين والتقدم بها أو رميها (تمريرها) إلى لاعب آخر في منطقة أخرى لمواصلة التقدم، والمهم أن يتم الوصول بالكرة إلى نهاية خط منطقة الخصم، والفريق الفائز هو الذي يحصد أكبر قدر من النقاط في الوقت المحدد.

والواضح أن إيران تناور ولا يؤثر فيها خسارة بعض اللاعبين أو قطع الشطرنج في سبيل تحقيق الهدف النهائي وهو السماح بفرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز والحصول على أموالها وأرصدتها المتحفظ عليها منذ سنوات واستمرار حقها في تخصيب اليورانيوم والحفاظ على برنامجها النووي، مع الاحتفاظ ببعض أذرعها في لبنان واليمن خاصة وأن الحوثيين يهاجمون السفن الآن لإغلاق باب المندب، وبالتالي فهي على استعداد لهدم المعبد على رؤوس الجميع وإدخال الخليج وأمريكا والعالم في أزمات اقتصادية ستؤثر دوليًا خلال السنوات القادمة بشكل سلبي. ويمكن في لعبة شطرنج اتخاذ خطوات خطرة للمناورة والوصول إلى النصر في النهاية ومحاصرة الملك بحيث لا يستطيع التحرك.

وفي المقابل تتشابه الممارسات الأمريكية مع لعبة الرجبي حيث تحاول واشنطن القفز للأمام داخل المعسكر الإيراني وتدمير البنية الأساسية وتشجيع فصائل معينة داخل إيران للثورة تمهيدًا لإسقاط النظام الإيراني وإنهاء المشروع النووي بالكامل وإضعاف طهران وربما تقسيمها تحقيقًا لأهداف إسرائيلية صهيونية، وتحاول إلقاء الكرة والاستعانة بأطراف أخرى لتحقيق الهدف، ولكن مشكلة إدارة الرئيس دونالد ترامب في هذه اللعبة أنه لا يملك الكثير من الوقت، فهو يريد إنهاء اللعبة بالنقاط سريعًا قبل عقد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي بمجلسيه النواب والشيوخ، الأمر الذي يمثل ضغطًا سياسيًا على البيت الأبيض، خاصة مع انضمام عدد محدود من الجمهوريين أعضاء حزب ترامب إلى الديمقراطيين في التصويت حول ميزانية الحرب، وهو ما يعكس وجود انقسام داخل الحزب الجمهوري سوف يؤثر بلا شك بالسلب على الانتخابات القادمة.

والمشكلة أن ترامب دخل هذه الحرب وحده ومعه فقط إسرائيل ولكنه الآن يبتز الجميع لمساعدته، سواء أوروبا أو الخليج، ويضغط من أجل أن تدخل دول الخليج بشكل مباشر في الحرب على إيران، وبالتالي تتحول المواجهات إلى حرب إقليمية أوسع، وهو ما تريده إسرائيل، فالهدف الأمريكي الإسرائيلي أن تصبح المواجهات عربية فارسية بين مسلمين سنة وشيعة.

وبجانب أسلوب الابتزاز الأمريكي تقدم إدارة ترامب هدايا لتطمين الخليج طبقًا لأسلوب العصا والجزرة، فقد عقدت اتفاقًا مع السعودية لبدء مشروع نووي وقدمت تكنولوجيا ذكاء اصطناعي عالية إلى الإمارات، ولكن بعد التوقيع على الاتفاق عاد ترامب للابتزاز مؤكدًا أن الاتفاق النووي لن يتم إلا إذا انضمت السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، وهو الأمر الذي يبدو وكأن ورقة الاتفاقيات الإبراهيمية والتطبيع مع إسرائيل في مقابل الوهم أو شراء سمك لا يزال في الماء.

وبالتالي فإن الابتزاز والضغط على الحلفاء للانضمام إلى حرب غبية تهدف فقط تحقيق مصلحة إسرائيل للقضاء على الخطر الإيراني هو تكرار بسيناريو مختلف لنفس ما حدث من غزو أمريكا للعراق في عهد جورج بوش الإبن، والذي أدى بعدها لأزمات اقتصادية في أمريكا والعالم كله وكان بداية للتدهور الاقتصادي الأمريكي، ففي عهد بيل كلينتون كان الاقتصاد جيدًا، وأدت الحرب على العراق لمقتل مليون عراقي وتقسيم العراق لمناطق نفوذ وبداية سيطرة إيرانية على الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الانسحاب الأمريكي المذل الذي تم في عهد أوباما، ولم تتحقق أي أهداف أو شعارات رفعتها أمريكا فكل ما تحقق هو إضعاف العراق تنفيذًا لمصالح إسرائيلية وهو ما يحدث مثله الآن.

فالحديث عن امتلاك إيران لسلاح نووي كذب؛ لأن المفاعلات الإيرانية تخضع لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهناك اتفاق تم بين الوكالة وطهران بوساطة مصرية العام الماضي للسماح بمزيد من التفتيش إلا أن الضربات الأمريكية السابقة أدت لإنهاء إيران العمل بهذا الاتفاق وهو خطأ استراتيجي وقعت فيه طهران.

والحرب الحالية أدت لوضع دولي جديد لم يكن موجودًا من قبل وهو السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز وفرض رسوم عبور للسفن وناقلات النفط وهو ما قد يمثل سابقة قد تؤدي لفوضى عالمية في كل الممرات المائية الدولية، وقد وجد ترامب نفسه وحيدًا ليس معه إلا إسرائيل واللوبي الصهيوني، ورفضت كل دول العالم تقريبًا مشاركته هذه الحرب في بدايتها، وحتى داخل أمريكا نفسها تعالت الأصوات التي تطالب بإنهاء هذه الحرب التي تكلف الخزانة الأميركية مليارات الدولارات، ولهذا بدأ ترامب أسلوب الابتزاز وتطميع الحلفاء سواء الخليج أو أوروبا أن المكاسب قادمة وأن إيران ستسقط قريبًا.

ولكن إيران صامدة وإن كانت تضعف ولن تستطيع الاستمرار شهورًا قادمة، وعلى قدر صمود نظامها على قدر مكاسبها، وكذلك ترامب لا يرغب في المزيد من الانغماس في الرمال المتحركة للشرق الأوسط، ولهذا فإن الشطرنج الفارسي والرجبي الأمريكي كلاهما يريدان إنهاء اللعبة بأكبر قدر من المكاسب وبشكل يحفظ ماء الوجه حتى لا يخسر الجميع وليس أمريكا وإيران وحدهما، وبالتالي فإن إطالة مدة هذه الحرب ستجعل العالم كله خاسرًا بلا استثناء، وهو أمر يدركه لاعب الشطرنج الإيراني ولاعب الرجبي الأمريكي.

تم نسخ الرابط