عاجل

مع اقتراب إعلان نتيجة الثانوية العامة، تتجه الأنظار إلى الدرجات ومؤشرات التنسيق، وكأن الرقم الذي سيحصل عليه الطالب هو العامل الوحيد الذي سيحدد مستقبله.. 
لكن الحقيقة أن مرحلة ما بعد الثانوية أصبحت أكبر من مجرد اختيار كلية ،إنها اختيار لمسار حياة، وبداية رحلة بناء الإنسان والمهارات التي يحتاجها في عالم سريع التغير.

جيل اليوم يختلف عن أجيالنا والأجيال السابقة. فجيل  زد وألفا نشأ في عصر مفتوح على العالم، أصبحت المعرفة بالنسبة له متاحة بضغطة زر ويتابع عبر المنصات الرقمية تجارب شباب من مختلف الدول، ويتعرف على تخصصات ومهن لم تكن معروفة من قبل. 
هذا الانفتاح رفع سقف الطموح، لكنه جعل قرار الاختيار أكثر أهمية، لأن المستقبل لم يعد يعتمد فقط على الشهادة، بل على القدرة على التطور والتعلم المستمر.

لذلك تحول السؤال الحقيقي لكل طالب  من: “ما الكلية التي تناسب مجموعي؟”، ليصبح: “ما المجال الذي يناسب قدراتي وشغفي؟ وما المهارات التي يحتاجها سوق العمل عندما أتخرج؟”

فالعالم يشهد تحولًا كبيرًا في طبيعة الوظائف..ووفقًا لتقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025، من المتوقع أن يشهد سوق العمل العالمي حتى عام 2030 ظهور نحو 170 مليون وظيفة جديدة، مقابل تغير طبيعة أو اختفاء 92 مليون وظيفة، مع زيادة الطلب على مهارات مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، إلى جانب مهارات التفكير الإبداعي والقدرة على التكيف..

وهذا التحول يفرض على الطالب أن ينظر إلى الجامعة باعتبارها أكثر من مكان للحصول على شهادة.. فالجامعة الحديثة هي بيئة متكاملة  تمكن الشباب من اكتشاف القدرات، وتدعم بناء الشخصية، واكتساب المهارات من خلال الدراسة، والتدريب، والأنشطة الطلابية، والعمل الجماعي، والتواصل مع ثقافات مختلفة،هي اول مواجهة حقيقية مع العالم خارج أسوار التلقين ، ليواجه الطالب مساحة التحرر في القرارات بالتوازي مع تحمل مسؤولية الاختيارات.

 مفهوم الوظيفة نفسه قد تغير ، والحدود تبدلت   الطموح لم يعد له سقفاً، وهو ما انعكس علي تخصصات الدراسة ، والجامعات لم تعد تكتفي بمقررات دراسية تقليدية ،  بل اقسام جديدة تستحدث ، و دراسات بينية تدمج كليات قائمة بصورة تستجيب لرغبة شباب اليوم الذين  لا يبحثون فقط عن المسار التقليدي، بل ينظرون إلى فرص جديدة في العمل عن بُعد، والعمل الحر، والشركات العالمية التي تتيح الوصول إلى أسواق خارج الحدود.. وبالتالي لا بديل عن امتلاك المهارة واللغة والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا  كعناصر أساسية للنجاح.

وفي تطور  مستمر  لتوجه الشباب نحو فرص العمل الدولية  ضمن سوق عالمي مفتوح ، انعكس علي ارتفاع اعداد  العاملين المصريين بالخارج خلال السنوات الأخيرة بنسب تقترب من ١٠٪؜ ليتجاوز سنويا نحو مليون  شاب ، بخلاف عدد متنامي  عاملين في التعهيد " من احدث مجالات العمل عن بعض في مجالات علوم الحاسب والامن السيبراني و البرمجة ، وهو ما ينعكس علي حاجة الشباب إلى امتلاك أدوات المنافسة العالمية، سواء من خلال التخصص أو اللغات أو المهارات الرقمية.

ومن هنا تأتي أهمية اختيار تخصص يرتبط بالمستقبل ، فالذكاء الاصطناعي مثلاً أصبحا جزءًا من مختلف القطاعات، وإدارة الأعمال أصبحت مرتبطة بالابتكار وريادة الأعمال والتحول الرقمي، بينما تقدم مجالات السياحة والضيافة وإدارة الفعاليات فرصًا واسعة مع توسع صناعة السياحة عالميًا، والتي أصبحت تعتمد على التكنولوجيا وصناعة التجارب وفهم الثقافات المختلفة..كما أصبحت صناعة المحتوى والإعلام الرقمي مجالًا مهنيًا قائمًا بذاته، يفتح آفاقًا أمام الشباب الذين يمتلكون القدرة على الإبداع والتواصل وفهم الجمهور.

وفي هذا السياق، أصبحت مسؤولية الجامعات أكبر من تقديم برامج أكاديمية فقط ، فدورها الحقيقي هو إعداد طالب قادر على التعامل مع عالم متغير، من خلال تجربة تعليمية تجمع بين المعرفة والتطبيق، وبين الدراسة والحياة الطلابية، وبين الانفتاح المحلي والتواصل الدولي.

فالطالب يحتاج إلى جامعة تمنحه أكثر من شهادة ، يحتاج إلى مجتمع يساعده على اكتشاف نفسه، وتطوير مهاراته، وبناء شبكة علاقاته،  والاستعداد لسوق عمل لا يتوقف عن التطور.

صحيح ان نتيجة الثانوية العامة تمثل نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، لكنها لا تحدد وحدها طريق النجاح. لم يعد مجموع الثانوية هو فقط من يفتح باب البداية ،لكن الطموح والاختيار الصحيح والقدرة على التعلم المستمر هي التي تحدد إلى أين يصل الإنسان.

فالجامعة الحقيقية لا تمنح شهادة فقط، بل تبني شخصية تتمتع بالمرونة ،قادرة على التواصل و المنافسة والمستقبل سيكون لمن يعرف نفسه، ويطور مهاراته، ويختار المكان الذي يساعده على تحويل طموحه إلى إنجاز.

تم نسخ الرابط