عاجل

«قيمةُ كلِّ امرئٍ فيما يُحسنه».
ليست هذه المقولة المنسوبة إلى الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، مجرد حكمة أخلاقية، بل يمكن النظر إليها باعتبارها مفتاحًا لفهم مسيرة الحضارات. فما يصدق على الإنسان يصدق على الأمم أيضًا؛ فقيمة الأمة لا تُقاس بعدد سكانها، ولا باتساع حدودها، ولا بضجيج خطابها، وإنما بما تضيفه إلى الحضارة الإنسانية.
ولهذا لا يخلّد التاريخ الأمم لأنها كانت الأقوى، بل لأنها أتقنت شيئًا أصبح جزءًا من ذاكرة البشرية.
فمصر القديمة لم تبقَ حاضرة بفضل جيوشها فحسب، وإنما بما قدمته للإنسانية من العمارة والهندسة والتنظيم والإدارة. واليونان ارتبط اسمها بالفلسفة والمنطق، وروما القديمة بالقانون، واليابان حديثاً بالجودة، وألمانيا الآن يضرب بها المثل بالصناعة الدقيقة.
كل حضارة قديمة أو حديثة تركت بصمتها في المجال الذي بلغت فيه درجة عالية من الإتقان.
وهذه الرؤية لا تبدو بعيدة عن المنظور القرآني؛ فالقرآن لا يجعل التفاضل قائمًا على المال أو النسب أو النفوذ، بل يربطه بالإحسان، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
والإحسان في الآية الكريمة لا يقتصر على العبادة، بل يشمل جودة العمل وإتقانه؛ في العلم، والصناعة، والزراعة، والتجارة، والقضاء، والإدارة، وسائر ما يباشره الإنسان.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من ازدهار الحضارة الإسلامية في عصورها الأولى. فلم يكن الإيمان مجرد شعائر، بل كان دافعًا لإنتاج المعرفة. فظهر أطباء، ورياضيون، وفلكيون، ومهندسون، وفقهاء، لم يكتفوا بنقل العلم، بل أسهموا في تطويره، حتى أصبحت مؤلفاتهم مراجع معتمدة في أنحاء مختلفة من العالم لقرون.
لكن التاريخ لا يمنح أحدًا مكانة دائمة.
فالأمم لا تبقى في الصدارة لأنها كانت عظيمة يومًا ما، وإنما لأنها تواصل الإنتاج والإضافة. أما حين يتحول الماضي إلى مصدر للاكتفاء، ويتراجع الحاضر عن دوره، تبدأ مكانتها في التآكل، مهما كان رصيدها الحضاري.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن أمجاد الماضي هو:
بماذا نُعرف اليوم؟
ما المجال الذي إذا ذُكر، ذُكر اسمنا معه؟
وما الذي نضيفه الآن إلى المعرفة أو الصناعة أو الثقافة أو الاقتصاد؟
فالاعتزاز بالماضي حق، لكنه لا يصنع المستقبل. والحضارة لا تُورث كما تُورث الألقاب، بل تُبنى بالعمل، وتحافظ على مكانتها بالإتقان.
ولعل هذا هو المعنى الأوسع لكلمة الإمام علي:
قيمة الإنسان فيما يُحسن.
وقيمة الأمة... فيما تُحسن.
وبين العبارتين معيار بسيط، لكنه شديد الدقة: فالأمم تُقاس بما تنتجه، لا بما تتغنى به، وبما تضيفه إلى العالم، لا بما ترويه عن ماضيها

تم نسخ الرابط