قال تعالى: ﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾.
هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهي أن فرعون كان في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه، ومع ذلك أمره الله ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين.
كما قال يزيد الرقاشي عند قوله تعالى: ﴿فقولا له قولًا لينًا﴾: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟
وقال وهب بن منبه: قولا له: إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.
والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين، قريب سهل، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾.
وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي: ويدل على وجوب الرفق ما استدل به المأمون، إذ وعظه واعظ وعنف له في القول، فقال: يا رجل، ارفق؛ فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق، فقال تعالى: ﴿فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾.
فليكن اقتداء الداعي إلى الله في الرفق بالأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين، وكما ورد على لسان سيدنا إبراهيم في دعوته لأبيه من التلطف، والتودد، وحسن الرجاء، والحرص على أبيه وعلى المدعوين من بعده، فقال تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقًا نبيًا * إذ قال لأبيه يا أبتِ لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا * يا أبتِ إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطًا سويًا * يا أبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا * يا أبتِ إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليًا﴾.
ولم يكن الرفق في منهج الأنبياء أسلوبًا عابرًا أو وسيلة ظرفية، بل كان أصلًا من أصول الدعوة، لأن النفوس مجبولة على قبول الكلمة الطيبة، وتنفر من القسوة والغلظة. فكم من قلب أغلقته الشدة، وفتحته الكلمة الحسنة، وكم من إنسان بدّل موقفه حين وجد من يحاوره باحترام ويخاطبه برحمة، لا بتعنيف أو ازدراء. ولهذا كان الداعية الناجح هو الذي يجمع بين وضوح الحق وحسن عرضه، فلا يتنازل عن الثوابت، ولا يفقد في الوقت نفسه خلق الرفق والرحمة.
ومن يتأمل سيرة النبي ﷺ يجدها التطبيق العملي لهذا المنهج الرباني؛ فقد كان يخاطب الناس على قدر عقولهم، ويعالج أخطاءهم بالحكمة، ويراعي أحوالهم وظروفهم، ويؤلف القلوب قبل أن يطالبها بالتغيير. ولذلك دخل الناس في دين الله أفواجًا، لا بقوة السيف، وإنما بقوة الخلق، وحسن المعاملة، وصدق الرحمة، حتى صار الرفق سببًا في إصلاح الأفراد واستقامة المجتمعات.
ولهذا فإن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استعادة هذا المنهج في الخطاب والدعوة والإصلاح، بعيدًا عن التشدد في الأسلوب أو القسوة في العبارة، فالكلمة الطيبة تفتح مغاليق القلوب، والرفق يصنع ما لا تصنعه الشدة، والحكمة تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق.
هكذا علمنا رسول الله ﷺ أن: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»، فكان هذا الحديث قاعدة جامعة في الدعوة والتربية والإصلاح، ودليلًا على أن الرفق ليس ضعفًا، وإنما قوة تضبطها الحكمة، ورحمة تهدي إلى الحق، ومنهج رباني يثمر صلاح الفرد والمجتمع.