لا يذهب المواطن إلى البحر ليشتري منتجًا، بل ليبحث عن مساحة من الحرية. وحين يقف أمام سور عالٍ وطويل أو بوابة مغلقة في وجهه مكتوب عليها "ممنوع الدخول" أو رسوم متزايدة تعجيزية في بعض الأحيان، يبدأ في التساؤل: هل أصبح الوصول إلى البحر امتيازًا، أم ما زال حقًا؟
للإجابة على هذا السؤال المنطقي، يجب الإشارة إلى أنه من الظلم تصوير المستثمر وكأنه عدو للمواطن؛ فالدولة أنفقت مليارات على تطوير الساحل الشمالي -على سبيل المثال-، والمستثمر أيضًا ضخ أموالًا ضخمة، ونجحت المنطقة في جذب السياحة وخلق فرص عمل.
إذن، القضية ليست رفض الاستثمار بقدر ما هي تأكيد على أن الحق العام لا يقل أهمية عن تشجيع الاستثمار. في المقابل، البحر ليس كالمول التجاري أو النادي الخاص؛ هو مورد طبيعي، وله قيمة اجتماعية ونفسية وثقافية، ومن حق المواطن أن يشعر بأن له نصيبًا من هذا المورد، حتى مع وجود استثمارات خاصة.
وهنا تصبح معادلة الدولة أكثر تعقيدًا؛ بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على حق المواطن في الوصول إلى البحر، وفي نفس الوقت تمنع أي ممارسات تخلق شعورًا بالإقصاء.
المشكلة الحقيقية بوجه عام ليست القانون… بل الإحساس بأصداء هذا القانون؛ فبعض الإجراءات داخل القرى السياحية، وإن كانت قانونية، إلا أن الصورة التي تصل للمواطن تحمل معنى واحدًا وهو: "البحر أصبح للأغنياء".
وهذه الصورة أخطر من الواقعة نفسها؛ لأنها تمس فكرة العدالة، خاصة في مجتمع يحرص على تقليل الفجوات الاجتماعية.
الدول الناجحة لا تختار بين الاستثمار والعدالة، بل تدير العلاقة بينهما. ولا أحد يطالب بفتح الشواطئ الخاصة بلا ضوابط، كما لا يصح أن يشعر المواطن بأن البحر الذي يراه أمامه أصبح بعيد المنال.
ليست القضية في عدد الأمتار المفتوحة أو المغلقة، وإنما في الرسالة التي تصل إلى الناس؛ فالدولة التي تنجح في جذب الاستثمار هي نفسها الدولة التي تحرص على ألا يشعر مواطن بأن نصيبه من وطنه قد تقلص. والبحر، قبل أن يكون مقصدًا سياحيًا، هو جزء من المجال العام الذي يعكس علاقة الدولة بمواطنيها.
فالقضية ليست البحر وحده؛ إنها تمتد إلى الحدائق، والكورنيش، والمساحات المفتوحة، وكل ما يجعل المواطن يشعر بأن التنمية لا تُقام بجواره فقط، بل من أجله أيضًا.