عاجل

بعد واقعة قنا.. د خالد قنديل: هل تكفي إقالة مدير مستشفى لإنهاء الأزمة؟|خاص

الكاتب والمفكر الدكتور
الكاتب والمفكر الدكتور خالد قنديل

أكد الكاتب والمفكر الدكتور خالد قنديل أمين سر لجنة الصحة بمجلس الشيوخ أن ما شهدته مستشفى قنا العام يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول فلسفة الإدارة في المرافق العامة، موضحًا أن مبدأ المحاسبة لا يختلف عليه أحد، بل إنه أحد أهم ركائز بناء الدولة الحديثة، خصوصًا في قطاع الصحة الذي يرتبط بحياة المواطنين وكرامتهم، غير أن المحاسبة، حتى تحقق غايتها، يجب أن تستند إلى أسس موضوعية وإجراءات مؤسسية تضمن العدالة قبل أن تحقق الردع. 

لإدارة الرشيدة لا تختزل أزمة مؤسسة كاملة في شخص واحد

وأضاف قنديل في تصريحاته لـ"نيو رووم" أن أي مسؤول يتولى قيادة مؤسسة خدمية يتحمل مسؤولية الأداء، ومن الطبيعي أن يخضع للتقييم والمساءلة إذا ثبت وجود تقصير أو ضعف في الإدارة، لكن في الوقت ذاته، فإن الإدارة الرشيدة لا تختزل أزمة مؤسسة كاملة في شخص واحد، لأن المستشفى منظومة متكاملة تتداخل فيها الإمكانات البشرية والموارد المالية وسلاسل الإمداد والإشراف الفني والإداري، وهي عوامل قد تتجاوز صلاحيات المدير نفسه.

وأوضح أن هناك فارقًا جوهريًا بين القرار الإداري بإعفاء مسؤول من موقعه القيادي، وهو أمر قد يدخل في نطاق السلطة التقديرية للجهة المختصة، وبين تحميله مسؤولية قانونية أو تأديبية عن أوجه القصور. 

التحقيق الإداري ليس وسيلة لتعطيل المحاسبة أو حماية المقصر

فالأول قد يكون إجراءً تنظيميًا تفرضه ضرورات الإدارة، أما الثاني فلا تكتمل مشروعيته إلا بتحقيق إداري محايد يحدد الوقائع ويستمع إلى جميع الأطراف ويبين المسؤوليات بدقة، لأن العدالة لا تقوم على الانطباعات، وإنما على الأدلة والحقائق. 
وأشار قنديل إلى أن التحقيق الإداري ليس وسيلة لتعطيل المحاسبة أو حماية المقصر، وإنما هو الضمانة التي تمنح القرار قوته القانونية والأخلاقية في آن واحد، وتحافظ على هيبة الدولة ومؤسساتها، كما تحمي حقوق العاملين من أن تتحول المسؤولية إلى تقدير شخصي أو استجابة لضغط الرأي العام. 

وأضاف أن نجاح أي زيارة ميدانية مفاجئة لا يقاس بعدد قرارات الإعفاء التي تصدر في نهايتها، وإنما بقدرتها على إحداث إصلاح مؤسسي مستدام يعالج جذور المشكلة. فإذا كانت أسباب القصور ناتجة عن نقص في الأطباء أو التمريض، أو ضعف الإمكانات، أو خلل في منظومة التشغيل، فإن تغيير المدير وحده لن يكون كافيًا، لأن الأزمة ستعيد إنتاج نفسها مهما تغيرت الأسماء. 

المواطن لا يعنيه من يجلس على مقعد المدير

وأكد أن المواطن لا يعنيه من يجلس على مقعد المدير بقدر ما يعنيه أن يجد خدمة صحية آمنة، وطبيبًا متواجدًا، ودواءً متوفرًا، وبيئة علاجية تليق بإنسانيته. ولذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي قرار إداري هو انعكاسه على جودة الخدمة المقدمة للمريض، وليس مجرد صدوره. 
واختتم أمين سر مجلس الشيوخ مؤكدًا أن الدولة القوية ليست تلك التي تكثر فيها قرارات الإقالة، وإنما التي تبني منظومة تمنع أسباب الإقالة من الأساس، عبر الحوكمة الرشيدة، والرقابة المستمرة، ووضوح المسؤوليات، وربط السلطة بالمساءلة وفق قواعد عادلة وشفافة. 

فالمحاسبة ضرورة، لكن العدالة الإدارية ضرورة لا تقل عنها أهمية، لأن القرار الذي يستند إلى تحقيق موضوعي يكون أكثر قوة وعدالة وقبولًا لدى الجميع. وأضاف أن قرار محافظ قنا بإعفاء مدير مستشفى قنا العام، عقب الجولة التفتيشية المفاجئة، يظل جزءًا من إدارة الأزمة وليس نهاية لها. فنجاح هذا القرار لن يقاس بتغيير اسم المدير، وإنما بما ستسفر عنه التحقيقات والإجراءات اللاحقة، وبقدرة المنظومة الصحية على معالجة الأسباب الحقيقية التي أفرزت أوجه القصور، حتى لا تتكرر الأزمة مع أي قيادة جديدة. 

فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الأشخاص، بل من بناء مؤسسات قادرة على العمل بكفاءة، ومحاسبة عادلة تستند إلى الحقائق، وتضمن في الوقت ذاته حق الدولة في الرقابة، وحق المسؤول في تحقيق منصف، وحق المواطن في خدمة صحية تليق به.

تم نسخ الرابط