كنتُ في أحد مستشفيات القاهرة عندما دخلت سيدة بسيطة، تكشف ملامحها وملابسها أنها جاءت من مكان بعيد، تحمل وجعا لا تملك رفاهية علاجه في عيادة خاصة.
تقدمت إلى طبيب الأنف والأذن والحنجرة تطلب الكشف عليها، بينما كان منشغلا بملء السجلات، رفع رأسه إليها، ثم قال في هدوء: «تعاليلي العيادة.. هنا مش هعرف أكشف عليكي».
أخبرته بأنها من محافظة الشرقية، وليست من القاهرة، فزاد الأمر غرابة حين أخبرها أن له عيادة في مدينة أبو كبير، وعليها أن تذهب إليه هناك.
خفضت السيدة رأسها، واستدارت بصحبة زوجها نحو باب الخروج.. لم يكن المرض وحده هو ما أثقل خطواتها، بل شعور آخر أشد قسوة، شعور الإنسان الذي قصد مؤسسة عامة طلبا للعلاج، فعاد منها مثقلا بانكسار لا يقل إيلاما عن المرض نفسه.
استوقفت الطبيب وسألته: لماذا؟ هذه سيدة جاءت إلى مستشفى حكومي، وأنت تتقاضى راتبك من الدولة لتؤدي عملك هنا، فلماذا تطلب منها الذهاب إلى عيادتك الخاصة؟ وسألته أيضا: «ألا ترى حالتها؟».. كان رده مختصرا إلى حد الصدمة: «هو كده».
تحول الحوار إلى نقاش حول الواجب المهني، والمسؤولية الإنسانية، ورسالة الطبيب قبل أن تكون مهنة، وما إن احتد النقاش حتى استدعى الأمن، قبل أن يعلم أن من يقف أمامه صحفي جاء إلى المستشفى في مهمة أخرى، وأن الواقعة لن تنتهي بخروج تلك السيدة من الباب.
خرجنا جميعا نبحث عنها، أنا والطبيب ورجل الأمن، لكننا لم نعثر عليها، كانت قد غادرت مع زوجها، تحمل فوق ألم المرض ألما آخر يصعب علاجه، كسر الخاطر.
أعادت هذه الواقعة إلى ذهني تصريحات الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة، في إحدى الحلقات التلفزيونية أمس، عندما قال: «اديني تريليون جنيه سنويا واسألني عن المستشفيات».
ولا يختلف اثنان على أن تطوير المنظومة الصحية يحتاج إلى استثمارات ضخمة، فبناء المستشفيات، وتحديث الأجهزة، وتوفير الأدوية والمستلزمات، وزيادة أعداد الأطباء وأطقم التمريض، كلها ملفات لا يمكن إنجازها دون إنفاق كبير.
لكن هل كل مشكلات المنظومة سببها نقص الأموال؟.. هل يحتاج منع توجيه المرضى من المستشفيات الحكومية إلى العيادات الخاصة إلى تريليونات؟.. وهل يحتاج احترام المريض إلى موازنة إضافية؟
المشكلة هنا لا تتعلق بجهاز طبي غير متوافر، ولا بغرفة عمليات تحتاج إلى تطوير، ولا بدواء مفقود، إنها تتعلق بسلوك فردي يمس جوهر الخدمة العامة، ويهز ثقة المواطن في المؤسسة التي لجأ إليها لأنها الملاذ الأخير لمن لا يملك تكلفة العلاج الخاص.
فالفقير لا يذهب إلى المستشفى الحكومي لأنه يفضله على غيره، وإنما لأنه لا يملك بديلا، ولو كان قادرا على دفع ثمن الكشف في العيادة الخاصة، لما تحمل ساعات الانتظار، ولا ازدحام العيادات، ولا عناء الانتقال من محافظة إلى أخرى بحثا عن العلاج.
وما يؤلم أكثر أن هذه الواقعة لم تكن الوحيدة، ففي المستشفى نفسه رأيت ممرضة تعنف طفلا صغيرا كان يستعد لدخول غرفة العمليات، كان طفلا خائفا لا يدرك ما يحدث حوله، لكن الخوف لم يشفع له، وعندما اعترضت، انتهى الأمر باعتذار لأسرته.
وفي مواقف أخرى، شاهدت مرضى يُطلب منهم دفع أموال مقابل خدمات يفترض أنها جزء أصيل من الخدمة الطبية، كما رأيت صورا من الجفاء وسوء المعاملة والإهانة، يتحملها المواطن البسيط لأنه لا يملك خيارا آخر.
ولا أذكر هذه الوقائع للتعميم، فداخل مستشفياتنا أطباء وتمريض وعاملون يؤدون رسالتهم بإخلاص ويستحقون كل تقدير، لكن التجاوزات الفردية، حين تتكرر دون ردع، لا تسيء إلى أصحابها وحدهم، بل تسيء إلى المنظومة كلها، وتزرع الشك في نفوس المواطنين.
ولهذا فإن المشكلة ليست دائما في الإمكانات، بل أحيانا في غياب المساءلة، فنحن نتابع باستمرار جولات مسؤولي وزارة الصحة داخل المستشفيات، ونقرأ عن قرارات بالإحالة إلى التحقيق وجزاءات للمخالفين، وهي جهود مهمة ومقدرة، لكنها مهما اتسعت لن تستطيع أن تحل محل ثقافة مؤسسية تجعل كل من يعمل في المستشفى يدرك أن المريض ليس رقما في سجل، ولا فرصة لاستقطابه إلى عيادة خاصة، وإنما إنسان له حق أصيل في العلاج، وكرامة لا يجوز المساس بها.
لا يستطيع أي مسؤول، مهما بلغت كفاءته، أن يكون حاضرا في كل مستشفى، وكل قسم، وكل عيادة، وكل شباك، ولهذا فإن نجاح أي منظومة لا يقاس فقط بعدد جولات التفتيش، وإنما بقدرتها على ترسيخ قيم الانضباط والرقابة والمحاسبة في كل يوم، حتى في غياب المسؤول.
يا معالي الوزير..
هناك مشكلات تحتاج بالفعل إلى مليارات، ولا يجادل في ذلك أحد، لكن هناك مشكلات أخرى لا تحتاج إلا إلى تطبيق القانون، وإلى ضمير مهني حي، وإلى يقين راسخ بأن خدمة المواطن ليست فضلا يُمنح له، وإنما حق يكفله الدستور، وواجب تفرضه المهنة.
المواطن البسيط الذي يدخل المستشفى الحكومي لا يشغله حجم الموازنة، ولا يعرف معنى التريليونات، كل ما يريده طبيب يؤدي عمله، وممرضة تتعامل معه باحترام، وموظفا لا يصرخ في وجهه، وخدمة يحصل عليها من دون أن يمد يده إلى جيبه أو يشعر بأنه يدفع ثمن فقره.
قد تحتاج المستشفيات إلى سنوات حتى تُستكمل خطط تطويرها، وقد تحتاج الأجهزة إلى ميزانيات ضخمة حتى تُحدَّث، لكن احترام المريض لا ينتظر اعتمادا ماليا، ولا قرارا استثماريا، ولا مشروعا قوميا، إنه يبدأ من ضمير الإنسان الذي يؤدي عمله، ومن قانون يُطبق على الجميع دون استثناء.
فالإنسانية، قبل أن تكون تكلفة، هي قيمة، وكرامة المريض، قبل أن تكون بندا في خطة تطوير، هي المعيار الحقيقي الذي تُقاس به أي منظومة صحية تحترم رسالتها.
إن ما حدث مع في تلك المستشفى بالقاهرة، ليس ببعيد عما حدث في المنيا كما شاهدنا في جولة المحافظ من ملحوظات على الإهمال الجسيم وعدم توافر الأدوية، والأحواض المتسخة.
ليس ببعيد عما حدث بمستشفى البرلس في كفر الشيخ، وما حدث فيها من إهمال وتدني في تقديم الخدمات الصحية.
تتكرر الوقائع وصور التقصير والقصور مختلفة.. المستشفيات ليست على ما يرام، والكل يلقي بالمسئولية في جعبة الأخر.. ويبقى المواطن “الغلبان”، هو الضحية.. ضحية الإهمال.. ضحية عجز الإمكانيات.. ومشاكل كثيرة لا عد لها..
نعلم أن القطاع الصحي بحاجة إلى مزيد من الأموال الطائلة، لكن ذلك ليس مبررا لتدني وسوء الخدمة لمواطن لو استطاع دفع ثمن الكشف ما لجأ للخدمة المجانية.
ارحموا الغلابة، وبعيدا عن التريليونات، والموازنات، ورواتب الطباء، أريد أن أقول للمسئول: خدمة الغلابة واجب إنساني قبل أي شئ.. خدمة الغلابة حق دستوري.