عاجل

إن قانون البحار في الفقه الدولي المعاصر ليس مجرد إطار تقني ينظّم استخدام المسطحات المائية، بل يمثل ركيزة من ركائز النظام القانوني الدولي التي يتقاطع فيها الاقتصاد بالسياسة، والسيادة بالمصلحة الجماعية للمجتمع الدولي، وقد استعادت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 مكانتها في صدارة الاهتمام العالمي منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، حين تحوّلت الجغرافيا البحرية للخليج العربي والبحر الأحمر من ممرات للتجارة والطاقة إلى ساحة مواجهة مباشرة تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية الكبرى.
فمنذ اللحظة الأولى للمواجهة العسكرية، بادر الحرس الثوري الإيراني إلى إغلاق مضيق هرمز عملياً أمام حركة الملاحة الدولية اعتباراً من 4 مارس 2026، فيما اتجهت جماعة الحوثي المدعومة من طهران إلى التلويح بغلق مضيق باب المندب، في مقاربة أطلق عليها مراقبون وصف "التحالف العملياتي" بين المضيقين، وقد جاء ذلك في وقتٍ لجأت فيه الولايات المتحدة إلى فرض حصار بحري على السواحل الإيرانية وإصدار أوامر باعتراض السفن العابرة، في مسعى لمواجهة ما وصفته واشنطن بـ"نظام الإتاوة غير المشروع" الذي فرضته طهران على الملاحة التجارية.
تطرح هذه التطورات إشكالية قانونية جوهرية ألا وهى: إلى أي مدى يظل قانون البحار قادراً على ضبط سلوك الدول والجماعات المسلحة في الممرات المائية الدولية في زمن النزاع المسلح؟ وهل يوفر النظام القانوني القائم آليات فعالة لحماية حرية الملاحة وأمن الطاقة العالمي، أم أن الفجوة بين النص القانوني والممارسة الفعلية قد اتسعت إلى حدٍ يستدعي إعادة النظر في آليات الإنفاذ الدولي؟ تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال تحليل الإطار القانوني الحاكم للمضايق الدولية، وتكييف الوقائع الجارية في هرمز وباب المندب على ضوء أحكام اتفاقية 1982، وصولاً إلى استعراض السبل الممكنة لتفعيل المساءلة الدولية.
أولاً: الإطار القانوني الدولى لقانون البحار.
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982
تُعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقعة في مونتيغو باي عام 1982، والتي دخلت حيز النفاذ عام 1994، بمثابة "دستور البحار" الذي أعاد تنظيم العلاقة بين سيادة الدول الساحلية وحرية الملاحة الدولية، وقد أرست الاتفاقية توازناً دقيقاً بين حق الدولة الساحلية في بسط سيادتها على مياهها الإقليمية الممتدة اثني عشر ميلاً بحرياً، وبين حق المجتمع الدولي في ضمان حرية مرور السفن عبر الممرات الحيوية للتجارة والطاقة، بوصف هذه الحرية شرطاً لا غنى عنه لاستقرار الاقتصاد العالمي والنظام العام الدولي.
وتقوم فلسفة الاتفاقية على مبدأ أساسي مفاده أن البحار، وإن خضعت لتقسيمات سيادية وولائية متعددة، تظل في جوهرها فضاءً مشتركاً للإنسانية، بما يستوجب تقييد أي سلوك انفرادي من شأنه المساس بحرية الملاحة الدولية، سواء صدر هذا السلوك عن دولة ساحلية أو عن أطراف غير حكومية تعمل من داخل إقليمها أو بتوجيه منها.
نظام المضايق الدولية والمرور العابر
تفرد الاتفاقية الجزء الثالث منها (المواد 34 إلى 45) لتنظيم وضع "المضايق المستخدمة للملاحة الدولية"، وهي تلك الممرات المائية التي تربط بين جزأين من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة، وتقع كلياً أو جزئياً ضمن المياه الإقليمية لدولة أو أكثر من الدول الساحلية، وينطبق هذا الوصف بدقة على كل من مضيق هرمز، الذي تتقاسم عمان وإيران السيادة على مياهه، ومضيق باب المندب الذي تطل عليه اليمن وجيبوتي وإريتريا.
وقد استحدثت الاتفاقية لهذه المضايق نظاماً قانونياً خاصاً يُعرف بـ"المرور العابر" (Transit Passage) يتميز عن نظام "المرور البريء" المطبق في المياه الإقليمية العادية بكونه حقاً لا يجوز للدولة الساحلية تعليقه أو عرقلته تحت أي ظرف، بما في ذلك أوقات التوتر أو النزاع، طالما مارسته السفن والطائرات بصورة متواصلة وسريعة ودون تهديد لأمن الدولة الساحلية، وتنص المادة 44 صراحة على أن الدول المشاطئة للمضيق "لا تعرقل المرور العابر ولا توقفه"، وهو ما يجعل من أي إغلاق كلي أو جزئي لمضيق دولي إجراءً يخالف جوهر الاتفاقية، وليس مجرد استثناء إجرائي يمكن تبريره بدواعي الأمن الوطني.
حرية الملاحة كقاعدة آمرة تخدم النظام العام الدولي
لا تقتصر حرية الملاحة في القانون الدولي المعاصر على كونها امتيازاً تعاقدياً بين الدول، بل ترقى في تكييفها القانوني إلى مرتبة القاعدة التي تخدم مصلحة دولية عليا، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بأمن الإمدادات الغذائية والطاقوية للعالم أجمع، ومن هذا المنطلق، فإن أي تهديد لهذه الحرية في ممر دولي حيوي كهرمز أو باب المندب لا يمس فقط الدول المشاطئة أو الدول المستخدمة للممر، بل يمس المجتمع الدولي بأسره، بما يستدعي تفعيل آليات المسؤولية الدولية الجماعية لا الثنائية فحسب.
ثانياً: تحول مضيق هرمز من ورقة ضغط سياسى الى إغلاق فعلى.
الأهمية الاستراتيجية للمضيق
يُعد مضيق هرمز أهم ممر مائي في العالم من حيث تدفقات الطاقة، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب خُمس التجارة العالمية للنفط المنقول بحراً، فضلاً عن كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، وتتجه الغالبية العظمى من هذه الإمدادات، بنسبة تناهز 83%، نحو الأسواق الآسيوية الكبرى في الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، بما يجعل أي اضطراب في الملاحة عبره حدثاً ذا تداعيات كونية تتجاوز حدود المنطقة.
الوقائع: من الحرب إلى الإغلاق الفعلي
أعقاب الضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران صبيحة 28 فبراير 2026، ردّت طهران بوابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت الأراضي الإسرائيلية والقواعد الأمريكية ومنشآت في دول خليجية، بينما أصدر الحرس الثوري الإيراني تحذيرات حظر فيها مرور السفن عبر المضيق، لتتحول هذه التحذيرات إلى إغلاق فعلي اعتباراً من 4 مارس 2026، وقد شهدت الأزمة انفراجة هشة وقصيرة بين منتصف يونيو ومنتصف يوليو 2026 عقب مفاوضات إسلام آباد، غير أن هذه المفاوضات فشلت في التوصل إلى تسوية دائمة بسبب خلافات جوهرية حول برنامج التخصيب النووي الإيراني ونظام العقوبات والسيطرة على حركة العبور البحري، لتعود حدة التصعيد مجدداً منتصف يوليو 2026.
وقد ترتب على هذا الوضع تحوّل أكثر من 95% من حركة الملاحة بعيداً عن المضيق، في مؤشر دامغ على حجم الاضطراب الذي أصاب سلاسل الإمداد العالمية للطاقة، فضلاً عن ارتفاع أقساط التأمين البحري وأسعار الشحن إلى مستويات قياسية.
التكييف القانوني للإغلاق
يثير إغلاق الحرس الثوري الإيراني للمضيق إشكالية قانونية مركبة، فمن جهة، تُصرّ طهران على أن ما تقوم به لا يعدو كونه إجراءً دفاعياً مشروعاً في سياق نزاع مسلح تتعرض فيه لعدوان مباشر، استناداً إلى حق الدفاع الشرعي المكفول بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ومن جهة أخرى، فإن هذا التبرير يصطدم بنص المادة 44 من اتفاقية قانون البحار التي لا تجيز تعليق المرور العابر تحت أي ظرف، كما يصطدم بمبدأ التناسب الذي يحكم ممارسة حق الدفاع الشرعي، ذلك أن إغلاق ممر مائي دولي بأكمله أمام جميع السفن، بما فيها سفن الدول المحايدة غير الطرف في النزاع، يتجاوز بمراحل ما تقتضيه ضرورات الدفاع عن النفس، ويقترب في تكييفه القانوني من صورة "الحصار البحري" الذي يخضع لشروط صارمة في القانون الدولي الإنساني، أبرزها الإعلان المسبق والفعالية والتطبيق المتكافئ على جميع السفن دون تمييز.
ويُضاف إلى ذلك أن ما يُنسب إلى إيران من فرض "رسوم عبور" على السفن التجارية والمحايدة، وهو ما وصفه البيت الأبيض بـ"الابتزاز غير المشروع"، يشكل من الناحية القانونية خرقاً إضافياً لالتزام الدولة الساحلية بعدم فرض أي رسوم على مجرد المرور العابر ما لم يكن مقابل خدمات فعلية مقدمة للسفن، وفق ما تقضي به المادة 26 من الاتفاقية بالقياس على أحكام المرور البريء.
الرد الأمريكي وإشكالية الحصار المضاد
في المقابل، لجأت الولايات المتحدة إلى إعادة فرض حصار بحري على السواحل الإيرانية اعتباراً من منتصف أبريل 2026، مدعوماً بأساطيل عسكرية ضخمة تشمل أكثر من عشرين سفينة حربية ومئات الطائرات، مع صدور أمر تنفيذي يوجه البحرية الأمريكية لاعتراض أي سفينة تحاول العبور نحو الموانئ الإيرانية أو مغادرتها، وإذا كان لهذا الإجراء ما يبرره في إطار قانون الحياد البحري وحق الدولة المتحاربة في تقييد الإمدادات الاستراتيجية لخصمها، فإن تطبيقه يستوجب بدوره التقيد الصارم بمبادئ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، والتناسب في استخدام القوة، وعدم المساس بالسفن التابعة لدول ثالثة لا تشارك في النزاع إلا وفق الضوابط التي حددها دليل سان ريمو (San Remo Manual) بشأن القانون الدولي المطبق على النزاعات المسلحة في البحار.
ثالثاً: مضيق باب المندب والتهديد الموازى.
من البحر الأحمر إلى معادلة ردع موحدة
لم تعد أزمة الملاحة الدولية مقتصرة على الخليج العربي، إذ سعت جماعة الحوثي، بدعم إيراني مباشر، إلى استنساخ تجربة هرمز في مضيق باب المندب، الذي يتحكم في مرور جزء جوهري من التجارة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وقد حذّر المسؤولون الحوثييون، في منتصف يوليو 2026، من أن المضيقين قد يُغلقان معاً في إطار ما وصف بـ"تحالف عملياتي"، وهو تصريح يعكس تحولاً نوعياً من ربط الحوثيين استهدافهم للملاحة بالقضية الفلسطينية منذ أكتوبر 2023، إلى ربطه المباشر بمسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وتفيد التقارير بأن الحرس الثوري الإيراني ينقل عبر الحوثيين تقنيات الطائرات المسيّرة إلى حركة الشباب في الصومال، بما يوسّع دائرة الفاعلين القادرين على التأثير في أمن الملاحة عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي، وأن عناصر من الحرس الثوري المتواجدين في اليمن هم من يتولى فعلياً تحديد توقيت أي عملية تستهدف باب المندب، وهو ما يرجّح فرضية التنسيق المباشر بين طهران وأذرعها الإقليمية بدلاً من كون الأمر مبادرة محلية مستقلة.
التكييف القانوني لتهديدات الحوثيين
يختلف التكييف القانوني لتهديدات الحوثيين عن حالة إيران في هرمز، ذلك أن الحوثيين لا يمثلون دولة ساحلية ذات سيادة معترف بها دولياً على كامل الإقليم اليمني، بل جماعة مسلحة تسيطر بحكم الأمر الواقع على جزء من الأراضي والسواحل اليمنية، ومن ثم فإن استهدافها للسفن التجارية في باب المندب لا يندرج أصلاً ضمن الاستثناءات المشروعة لحرية الملاحة التي يقرها قانون البحار، بل يشكل فعلاً غير مشروع يرقى، بحسب طبيعته وأثره، إلى صورة من صور القرصنة البحرية أو الأعمال العدائية غير المشروعة الموجهة ضد الملاحة الدولية، بما يستوجب تفعيل الاختصاص العالمي المقرر لقمع القرصنة بموجب المادة 100 وما بعدها من اتفاقية قانون البحار، إلى جانب قواعد القانون الدولي الإنساني عند توافر شروط النزاع المسلح.
كما أن تصريحات المسؤولين الحوثيين بشأن ارتفاع أسعار النفط العالمية حال إغلاق المضيقين معاً تكشف عن نية مسبقة لاستخدام الملاحة الدولية كأداة ابتزاز اقتصادي جماعي، وهو ما يخرج عن أي مسوّغ دفاعي مشروع ويضع هذا السلوك في خانة التهديد بالقوة ضد سلامة التجارة الدولية، الأمر الذي يستدعي مسؤولية دولية مشددة تتجاوز المسؤولية الفردية للجماعة إلى مسؤولية الدولة الراعية لها متى ثبت عنصر التوجيه والسيطرة الفعلية وفقاً لقواعد القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً.
رابعاً: آليات المساءلة الدولية وسبل المعالجة القانونية.
القضاء الدولي وآليات تسوية المنازعات
يوفر الجزء الخامس عشر من اتفاقية قانون البحار آلية متكاملة لتسوية المنازعات المتعلقة بتفسير الاتفاقية وتطبيقها، تشمل إمكانية اللجوء إلى المحكمة الدولية لقانون البحار في هامبورغ، أو محكمة العدل الدولية، أو هيئات التحكيم الخاصة المنصوص عليها في الملحق السابع، ورغم أن هذه الآليات لا تملك في الغالب سلطة إصدار أوامر نافذة بذاتها في مواجهة دول ممتنعة عن التقاضي، فإن اللجوء إليها يظل ذا قيمة قانونية وسياسية كبرى في تثبيت الوصف القانوني لسلوك الأطراف وتوفير سند شرعي لأي إجراءات لاحقة يتخذها مجلس الأمن أو المجتمع الدولي.
دور مجلس الأمن والمنظمة البحرية الدولية
يبقى مجلس الأمن الدولي الجهة الأقدر على اتخاذ تدابير ملزمة بموجب الفصل السابع من الميثاق حيال أي تهديد للسلم والأمن الدوليين ناجم عن إعاقة الملاحة في ممر دولي حيوي، وإن ظل تفعيل هذا الدور رهيناً بتوافق الإرادة السياسية بين الدول دائمة العضوية، في موازاة ذلك، تضطلع المنظمة البحرية الدولية (IMO) بدور تقني وتنسيقي مهم في إصدار التحذيرات الملاحية وتنسيق ممرات آمنة بديلة، وإن كانت صلاحياتها لا ترقى إلى فرض جزاءات مباشرة على الدول أو الجماعات المخالفة.
نحو تفعيل جماعي لحماية أمن الملاحة
تفعيل آلية إحالة النزاع إلى المحكمة الدولية لقانون البحار لاستصدار وصف قانوني رسمي لإغلاق المضايق.
تشكيل تحالف بحري دولي موسّع لتأمين الممرات، على غرار التجارب السابقة في البحر الأحمر بعد أكتوبر 2023.
دعم دول الخليج لموقف جماعي موحّد عبر مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية للمطالبة بإنفاذ حرية الملاحة.
تحريك آليات المساءلة عن الأضرار الاقتصادية اللاحقة بالدول والشركات الناقلة جراء الإغلاق المطوّل للمضايق.
التمييز الدقيق، في أي رد عسكري مضاد، بين استهداف الأطراف المتحاربة وحماية السفن المحايدة صوناً لمبدأ الحياد البحري.
تكشف تلك الاحداث عن حقيقة جوهرية مفادها أن قانون البحار، على الرغم من رسوخه كأحد أكثر فروع القانون الدولي تفصيلاً وشمولاً، يظل بحاجة إلى إرادة سياسية جماعية لإنفاذه، وأن الفجوة بين النص القانوني الواضح في المادة 44 من اتفاقية 1982 وبين واقع الإغلاق الفعلي المستمر منذ مارس 2026 تمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية النظام القانوني الدولي في حماية المصالح الحيوية للبشرية جمعاء.

 

تم نسخ الرابط