بعد إثارة قضايا الميراث والحجاب والفتوى.. داعية: المرجعية للوحي لا للأهواء|خاص
ظهرت في الآونة الأخيرة تصريحات إعلامية تناولت قضايا تتعلق بالميراث والحجاب والفتوى وطبيعة الدين و التدين، وقد أثارت تساؤلات لدى كثير من عامة الناس، حسبما ذكر الداعية الإسلامي مصطفى شلبي الأزهري، مضيفا ومن الواجب بيان الحق بالدليل و تصحيح المفاهيم المغلوطة و مناقشة الأفكار وبيان موافقتها أو مخالفتها لأحكام الإسلام.
الإسلام لا يقمع حرية الرأي
وأكد الشيخ مصطفى شلبي الأزهري، في تصريح خاص لـ «نيوز رووم» أن الإسلام من أعظم الشرائع التي احترمت العقل، ودعت إلى التفكير والتدبر والنظر، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، موضحا أن الإسلام في الوقت نفسه جعل للوحي المرجعية العليا فلا يجوز أن يكون الرأي الشخصي أو الهوى مقدماً على كلام الله ورسوله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].
ولفت إلى أن الحرية في الإسلام ليست فوضى وليست إلغاء للوحي وإنما هي حرية منضبطة بأحكام الله، لأن المؤمن يوقن أن حكم الله أكمل من رأيه وأن شرع الله أهدى من هوى البشر؛ ولذلك قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50].
وأضاف فكل رأي يصادم نصا قطعيا من كتاب الله أو سنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، فإن المرجع فيه هو الوحي، لا الأهواء ولا الرغبات ولا الضغوط الاجتماعية.
الميراث تشريع إلهي لا يخضع للأهواء
وأوضح الازهري، أن الميراث تشريع إلهي لا يخضع للأهواء، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾، ثم ختم سبحانه آيات المواريث بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. ووصف من يتجاوزها بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ...﴾، مبينا أن هذه الأنصبة ليست اجتهاداً فقهياً وإنما هي حكم الله الذي ارتضاه لعباده.
وأفاد أنه إذا تراضى الورثة بعد استحقاق كل واحد منهم نصيبه الشرعي، فتنازل أحدهم عن جزء من نصيبه طواعية فهذا بابه الإحسان والهبة وليس تغييراً لفريضة الميراث.
وشدد على أن الدعوة إلى إعادة صياغة أنصبة المواريث ابتداء على خلاف ما فرضه الله، تجعل الرأي البشري حاكما على النص وهذا مما حذر الله منه بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾.
هل يفتي الإنسان نفسه؟
يقول الداعية الإسلامي مصطفى شلبي الأزهري، العقل نعمة عظيمة، لكنه ليس بديلًا عن العلم، ولهذا قال الله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
أما حديث «استفت قلبك»، يؤكد الأزهري أنه ليس تصريحاً لكل شخص بأن يفتي نفسه فيما خالف النصوص القطعية، وإنما هو في المسائل المشتبهة التي لم يظهر فيها دليل قاطع، وقد بين العلماء ذلك.
ويستكمل: لو كان كل إنسان يفتي نفسه بمجرد ما يطمئن إليه قلبه لتعطلت الشريعة ولصار كل امرئ يجعل هواه دينا، مستدلا بقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، فقلب المؤمن يُستفتى فيما لا نص فيه أما إذا وجد النص فلا اجتهاد مع النص.
القيم الإنسانية جزء من الإسلام وليست بديلا عنه
يؤكد الداعية الإسلامي أن العدل والرحمة والإحسان قيم عظيمة جاءت بها جميع الرسل، مضيفا لكن الإسلام لم يجعل هذه القيم وحدها هي الدين، فالدين يشمل العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
ولفت إلى أنه لا يجوز اختزال الدين في مجموعة من المبادئ الإنسانية العامة مع إغفال الأحكام التي أنزلها الله، لأن ذلك اتباع لرؤية بشرية لا للوحي الإلهي.
الحجاب فريضة ثابتة بالنص
وحول فرضية الحجاب، شدد الأزهري على أن الحجاب فريضة ثابتة بالنص، مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، وقوله سبحانه: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾.
ويضيف: هذان نصان صريحان في أصل مشروعية الحجاب وقد تلقتهما الأمة بالقبول جيلا بعد جيل، وقد يختلف العلماء في بعض تفاصيل الستر لكنهم لم يختلفوا في أصل فرضية الحجاب، مشددا على أن جعل هذه الفريضة مجرد اختيار شخصي لا علاقة له بالدين فهذا مصادمة للنصوص المحكمة وتقديم للرأي على الوحي.
ويبين أن الأمة تحتاج إلى تجديد الخطاب ولكن التجديد الحق هو إحياء النصوص وإبراز حكمتها وربطها بواقع الناس لا تغيير دلالاتها أو تعطيل أحكامها.
الاختلاف في المسائل الاجتهادية رحمة وسعة
وأكد الداعية مصطفى شلبي، أن الاختلاف في المسائل الاجتهادية رحمة وسعة، مضيفا أما الأحكام القطعية التي ثبتت بالقرآن والسنة وإجماع الأمة فلا يجوز أن تكون محل تصويت أو أهواء أو أذواق شخصية.
ويقول إن احترام حرية الرأي لا يعني مساواة الحق بالباطل ولا جعل النصوص القطعية محل تفاوض أو تعديل، فالإسلام كفل للناس حرية التفكير والبحث والنقاش، لكنه لم يجعل لأحدٍ حرية تغيير ما أنزله الله أو تأويله بما يوافق الأهواء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 50]، مختتما العبرة في الإسلام ليست بكثرة الآراء، وإنما بصدق الدليل وموافقته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.