أسئلة عديدة هامة عادت للسطح بعد التصعيد الأمريكي ضد إيران، ستحدد إجاباتها ليس فقط مستقبل إيران، بل مستقبل المنطقة ككل خلال العشرين عامًا القادمة على الأقل. ولعل أهمها:
هل عاد هدف إسقاط النظام الإيراني إلى المواجهة؟
هل هناك هدف مخفي بتقسيم إيران لعدة دول كردية وشيعية وسنية؟
ما مدى تأثير شعور ترامب بقرب خسارة حزبه (الحزب الجمهوري) لنتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب في نوفمبر القادم على قراراته بالعودة للتصعيد أملًا في تحقيق مكاسب سريعة قبل الانتخابات ترفع من شعبيته؟
ما مدى قدرة النظام الإيراني على الصمود في ظل ضربات متلاحقة على البنية الأساسية؟ وما نسبة نجاح الرهان الأمريكي الإسرائيلي على قيام حركة تمرد داخلية في إيران؟
هل ستنجح الأفكار الإسرائيلية باستخدام ورقة الأكراد وإدخال عناصر كردية لبدء تقسيم فعلي للأراضي الإيرانية برغم الرفض التركي خوفًا من أي زيادة للنفوذ الكردي؟ وهل يمكن احتلال القوات الأمريكية لعدة جزر إيرانية هامة مثل جزر قشم وخرج، وكذلك جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى؛ وهي ثلاث جزر إماراتية في الأساس استولت عليها إيران وهناك نزاع مخفي عليها بين البلدين؟.
والسؤال الأخير: ما مدى تأثير كل ذلك على الاقتصاد العالمي والملاحة الدولية، خاصة مع محاولات الطرفين السيطرة على مضيق هرمز وباب المندب؟
وبالنسبة لما إذا كان هدف إسقاط النظام الإيراني قد عاد، فهو بالتأكيد لم يذهب لكي يعود برغم كل التصريحات الأمريكية النافية لذلك؛ فالضربات الأمريكية الإسرائيلية في الأيام الأولى التي أدت لوفاة معظم رموز النظام تؤكد ذلك، ولكن الجانبين لم يحسبا حساب مدى قدرة الصف الثاني والثالث على الصمود، خاصة وأن النظام الإيراني استعد منذ سنوات لتلك اللحظة.
أما بالنسبة لسؤال هدف تقسيم إيران إلى عدة دول منها دولة كردية، فهو حلم إسرائيلي كردي منذ سنوات أسوة بما حدث في إقليم كردستان العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي. وقد أكد لي مسؤول كردي منذ الحرب على العراق أن الأكراد على استعداد للتحالف مع الشيطان نفسه في سبيل إقامة دولتهم الكردية على حساب كل من العراق وإيران وتركيا؛ وهو الحلم الذي قد يصبح قريب المنال ويقف أمامه الآن فقط الرفض التركي، ولهذا فإن تركيا ستكون هي العدو القادم لإسرائيل والخطوة المؤجلة لإضعافها، وهو ما يفسر التقارب المصري التركي السياسي والعسكري في الفترة الماضية.
ويدور سؤال حول مدى تأثير شعور ترامب بقرب خسارة حزبه (الحزب الجمهوري) لنتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بمجلسيه الشيوخ والنواب في نوفمبر القادم على قراراته بالعودة للتصعيد أملًا في تحقيق مكاسب سريعة قبل الانتخابات ترفع من شعبيته؛ والإجابة واضحة، يكفي أن ننظر إلى آخر خطاب لترامب لنلتأكد من هذا التخوف من خسارة حزبه للانتخابات وأن يصبح ترامب "بطة عرجاء" العامين القادمين، لهذا يصعد في الحرب ضد إيران الآن ويتهم جهات خارجية بالتلاعب في الانتخابات؛ لأنه يحلم بتأجيل الانتخابات أو إلغائها، حيث شدد على أهمية "انتخابات حرة وعادلة"، محذرًا من أن عدم ضمان ذلك "يهدد وجود البلد"، وأشار إلى معلومات استخباراتية مزعومة تتعلق بثغرات في أنظمة التصويت وتدخلات أجنبية محتملة خاصة من الصين، ووصف الخطاب بأنه "كبير جدًا" و"يجب على البلد أن يستيقظ". وأكد أن عملاء في الـ (إف بي آي) حاولوا إخفاء وثائق بشأن تدخل الصين في الانتخابات.
جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخميس الماضي دعوته للكونغرس إلى الإسراع في إقرار مشروع قانون «أنقذوا أميركا»، معتبرًا أن التشريع يمثل حجر الأساس لضمان نزاهة الانتخابات الأميركية ومنع التزوير، بينما يقترب موعد انتخابات التجديد النصفي الحاسمة.
وقال إن مشروع القانون «يلزم جميع الناخبين بإظهار بطاقة هوية تحمل صورة شخصية ويشترط تقديم ما يثبت الجنسية الأميركية قبل السماح بالتصويت ويمنع التصويت بالبريد باستثناء المرضى وذوي الإعاقة والعسكريين والمسافرين»، فهو يدرك أن عددًا كبيرًا من المصوتين بالبريد ينتمون للحزب الديمقراطي الذين يرفضون حربه ضد إيران بسبب تأثيراتها على الاقتصاد الأمريكي.
ويرى البعض أن سبب التصعيد الأمريكي الأخير وإلقاء مذكرة التفاهم -التي تم توقيعها بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية- في صندوق القمامة هو أن ترامب يريد تحقيق أي مكسب سريع قد يقوي مركز مرشحي حزبه في الانتخابات أو لكي تكون الحرب حجة لتأجيل الانتخابات، وهو أمر صعب في الحالتين.
أما بالنسبة لسؤال مدى قدرة النظام الإيراني على الصمود في ظل ضربات متلاحقة على البنية الأساسية؟ فالإجابة أنه حتى الآن هناك صمود إيراني مستمر، ولكن قد تأتي الأيام القادمة بمفاجآت، خاصة إذا نجح عملاء أمريكا وإسرائيل في الداخل في استغلال حالة الفوضى والسخط لإحداث اضطرابات داخلية، وبالتالي ستزيد نسب نجاح الرهان الأمريكي الإسرائيلي على قيام حركة تمرد داخلية في إيران، وبالتالي تنجح محاولات التخلص من الضغوط الإيرانية على الملاحة التجارية وإرخاء قبضتها على مضيق هرمز، وأن لا يُقابل كل خطوة أمريكية بخطوة إيرانية لتحويل الضغط إلى مكان آخر سواء في البحر أو إضعاف الملاحة في مضيق هرمز والتهديد بإغلاق باب المندب على يد الحوثيين (الأمر الذي سيزيد من أسعار النفط حيث ستجد ناقلات النفط نفسها مجبرة على الالتفاف حول جنوب أفريقيا، مما يُضيف وقتًا وتكلفة للشحنات الطاقة العالمية)، أو عبر توجيه ضربات للعواصم الخليجية بجانب العراق والأردن.
كما منحت واشنطن طهران حجة لم تكن تستحقها؛ فقد طرح ترامب فرض رسوم بنسبة 20% على الشحن عبر مضيق هرمز، ثم تراجع عن الفكرة بعد يوم واحد قائلًا إنه لا ينبغي لأحد أن يفرض مثل هذه الرسوم لأن المشكلة القانونية كانت واضحة؛ فقد صرحت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة بأنه لا يوجد أساس قانوني لفرض رسوم إلزامية على مضيق دولي بموجب قواعد العبور. وبالتالي لا يمكن لأمريكا أن تدّعي لإيران بمصداقية أنها لا تملك الحق في فرض رسوم على ممر مائي دولي بينما تفكر هي نفسها في فرض رسوم مماثلة. وحتى بعد سحب ترامب للاقتراح والتأكيد أن دول الخليج ستستثمر في أمريكا مقابل حمايتها، فإن الخطأ قد وقع.
ومن جهة أخرى، تعتبر ورقة الأكراد محروقة حتى الآن بسبب الرفض التركي وعدم رغبة ترامب حاليًا في إغضاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يحتاجه في الحرب الحالية.
أما بالنسبة لاحتلال الجزر الإيرانية فهو مطروح بقوة لكي يصبح ورقة ضغط تجبر إيران على العودة لمائدة التفاوض كطرف أضعف، ولكن ذلك يحتاج لإنزال بري من قوات أمريكية، الأمر الذي قد يزيد من الخسائر البشرية وبالتالي يزيد من الحنق الأمريكي الداخلي على هذه الحرب. وقد أوضح ذلك بجلاء نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في تصريحاته أنه: "إذا أراد الشعب الإيراني الانتفاض وتغيير حكومته فهذا يعود إليه، ولكننا لن نرسل 150 ألف جندي بري من أجل تحقيق تغيير في النظام ما لم يكن الشعب الموجود على الأرض نفسه يريد تحقيق هذه النتيجة، في الواقع نحن لن نرسل قوات حتى في أي حال، لكن مجرد اقتراح إرسال القوات يعني أنك تقول إن الجيش الأمريكي يجب أن يقوم بالمهمة نيابةً عن الشعب الإيراني. نحن لم نعد نعمل بهذه الطريقة، ببساطة لم نعد كذلك." وتستبعد تلك التصريحات فكرة الغزو البري الأمريكي الإسرائيلي لإيران، وهو أمر تسعى له إسرائيل.
وتحاول أمريكا استبعاد إسرائيل من الواجهة وتوريط دول الخليج بشكل أكبر في المواجهات مع إيران، ولكن دول الخليج ستعاني بلا شك من أزمات مالية وأمنية بسبب استمرار تلك الحرب لمدة أطول، وبالتالي يصبح الأمر وكأن ترامب يسعى لقتل الدجاجة التي تبيض له ذهبًا؛ فهو يعتمد على دول الخليج من أجل مزيد من الاستثمارات في بلاده لتحسين الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من الركود، الأمر الذي يزيد من تذمر دافعي الضرائب من تكلفة هذه الحرب وأهدافها التي تخدم إسرائيل أكثر مما تخدمهم. ولكن دول الخليج ستواجه مشاكل بسبب استمرار الحرب وبالتالي قد لا تكون قادرة بالفعل على ضخ مزيد من الأموال في الاقتصاد الأمريكي.
وخلاصة القول: إن من لديه القدرة الأكبر على الصمود هو الذي سيفوز، وهي أمريكا، ومن ليس لديه ما يخسره سيستمر في الحرب لتحقيق أهدافه ولن يتراجع بسهولة، وهو الطرف الإيراني.
ويبقى السؤال الأخير عن مدى التأثير على الاقتصاد العالمي؛ فالإجابة واضحة: التأثير حدث بالفعل وسيزيد بشكل كبير، الأمر الذي سيسبب على الأرجح ركودًا دوليًا وأزمات أكبر في السنوات القادمة، وهو مناخ سيزيد من فرص حدوث مزيد من الحروب في السنوات القادمة.