بعد استضافة صحفي إسرائيلي.. خبراء يحذرون من مخاطر التطبيع الإعلامي | خاص
أثارت استضافة قناة «القاهرة والناس» للصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي عبر مداخلة هاتفية حالة واسعة من الجدل، بعد تصريحاته التي شكك فيها في مصرية سيناء، لتفتح الواقعة بابًا واسعًا للنقاش حول حدود المسؤولية المهنية للإعلام في التعامل مع شخصيات إسرائيلية، ومدى تأثير هذه الاستضافات على الرأي العام، خاصة في ظل التصعيد الإقليمي المستمر والحرب الدائرة في قطاع غزة.
اليسار الإسرائيلي لا يخرج عن الرواية العامة
قالت الدكتورة سارة فوزي، مدرس الإعلام الرقمي ورئيس وحدة الذكاء الاصطناعي بكلية الإعلام جامعة القاهرة، إن استضافة شخصيات إسرائيلية، حتى وإن قدمت نفسها باعتبارها معارضة للحكومة أو مؤيدة للقضية الفلسطينية، تمنحها مساحة لتمرير رسائل تستهدف الرأي العام العربي.
وأضافت، في تصريحات خاصة لـ«نيوز رووم»، أن إسرائيل تحرص على الدفع بشخصيات تصف نفسها بأنها يسارية أو رافضة للصهيونية، لكنها في النهاية لا تخرج عن الإطار العام للمجتمع الإسرائيلي.
وأوضحت أن المجتمع الإسرائيلي، بمختلف تياراته، يدعم المؤسسة العسكرية، وينظر إلى غير اليهود باعتبارهم "الأغيار"، معتبرة أن هذا المفهوم يعكس طبيعة الرؤية السائدة داخل المجتمع الإسرائيلي.
محاولة لكسب تعاطف الرأي العام العربي
وأكدت فوزي أن السماح لشخصيات محسوبة على اليسار الإسرائيلي بالظهور في وسائل الإعلام العربية يمنحها فرصة للتغلغل داخل المجتمعات العربية وكسب مساحات من التعاطف، وهو ما وصفته بأنه أمر بالغ الخطورة.
وأشارت إلى أن إسرائيل سعت، منذ ما بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية وحتى ما قبل الحرب على قطاع غزة، إلى ترسيخ صورة تفصل بين المجتمع الإسرائيلي وجيش الاحتلال، عبر الترويج لفكرة أن الإسرائيليين يعارضون الانتهاكات ويرغبون في محاسبة المسؤولين عنها.
وأضافت أن هذه الرسائل تستهدف استمالة الرأي العام العربي، رغم أن الخدمة العسكرية إلزامية بالنسبة لغالبية المجتمع الإسرائيلي، وأن هناك حدودًا لا يمكن لأي تيار سياسي داخل إسرائيل تجاوزها في انتقاد المؤسسة العسكرية.
اليمين واليسار.. اختلاف في الشكل لا في الجوهر
وشددت على أن الخلافات بين اليمين واليسار داخل إسرائيل لا تنعكس على القضايا الجوهرية، موضحة أن أي تيار يصل إلى السلطة يتبنى في النهاية السياسات الاستيطانية نفسها.
وقالت إن المجتمع الإسرائيلي يقوم على عقلية ترى في الوجود العربي تهديدًا، وهو ما ينعكس على سياسات الحكومات الإسرائيلية المختلفة، بصرف النظر عن توجهاتها السياسية.
استغراب من الاستضافة
وأبدت فوزي استغرابها من استضافة قناة «القاهرة والناس» لصحفي إسرائيلي، مشيرة إلى أن القناة ليست قناة إخبارية بالأساس حتى تطرح مثل هذه الملفات عبر استضافة شخصيات إسرائيلية.
وأضافت أن القنوات المصرية مطالبة بمراعاة ثوابت السياسة المصرية عند التعامل مع هذه القضايا، وألا تمنح مساحة لمن يمثلون الرواية الإسرائيلية.
كما أعربت عن دهشتها من الاستعانة بصحفي إسرائيلي في الوقت الذي توجد فيه شخصيات معروفة بانتقادها لإسرائيل وسياساتها كان يمكن الاستعانة بها لتقديم رؤية مختلفة.
وحذرت من تبرير استضافة شخصيات إسرائيلية تحت شعار "الرأي والرأي الآخر"، معتبرة أن هذا النهج يمنح إسرائيل فرصة لطرح سرديتها والتأثير في الرأي العام، خاصة بين فئة الشباب.
الواقعة تتجاوز الخطأ المهني
من جانبه، قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، إن واقعة استضافة الصحفي الإسرائيلي تتجاوز حدود الخطأ المهني المعزول، وتمثل نموذجًا لخطورة منح المنابر الإعلامية العربية لأصوات مرتبطة بدولة احتلال.
وأشاد مهران، في تصريحات خاصة لـ«نيوز رووم»، بقرار قناة «القاهرة والناس» سحب الفقرة، كما أثنى على موقف نقابة الصحفيين التي وصفت الواقعة بأنها جريمة، وأكدت أن المذيع المسؤول عن الفقرة ليس عضوًا بالنقابة.
رسائل تطبيع ضمنية
وأوضح أن الخطورة الحقيقية في استضافة صحفيين إسرائيليين لا تكمن فقط في مضمون ما يقولونه، وإنما في الرسائل الضمنية التي تبعث بها هذه الاستضافات، معتبرًا أن منح منصة لصحفي إسرائيلي، حتى وإن أعلن معارضته لحكومته، يرسل رسالة تطبيع خطيرة.
وأشار إلى أن إعلان اليونسكو لعام 1978 بشأن مبادئ أخلاقيات الصحافة الدولية يلزم وسائل الإعلام بعدم تبرير العدوان، ولو بصورة غير مباشرة، من خلال منح المستفيدين من منظومته مساحة للظهور.
الالتزام بميثاق الشرف الإعلامي
وأضاف مهران أن ميثاق الشرف الإعلامي لنقابة الصحفيين المصريين يتضمن نصًا واضحًا يرفض التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، معتبرًا أن هذا الالتزام يعبر عن إجماع مهني ووطني، خاصة في ظل الأوضاع التي يشهدها الشعب الفلسطيني.
ورأى أن قرار القناة بمنع ظهور المذيع المسؤول عن إعداد الفقرة يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه أكد أن المعايير المهنية كان ينبغي أن تمنع وقوع الواقعة من الأساس.
دعوة لضوابط مهنية
وأشار أستاذ القانون الدولي إلى أن توقيت الواقعة جاء في مرحلة شديدة الحساسية تشهد تصعيدًا إقليميًا وانتهاكات مستمرة في قطاع غزة ولبنان، مؤكدًا أن مثل هذه الظروف تستدعي أعلى درجات المسؤولية المهنية.
وشدد على أن الإعلام العربي يتحمل مسؤولية تاريخية في هذه المرحلة بأن يكون صوتًا للحقيقة ومنصة للدفاع عن العدالة، مطالبًا نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بإصدار ضوابط مهنية واضحة وملزمة تحول دون تكرار مثل هذه الاستضافات مستقبلاً.