في قلب نيويورك.. جماهير كأس العالم ستلتف حول أثر مصري
تقف مسلة كليوباترا الفرعونية في ذروة الحماس الكروي الذي يشهده مونديال 2026، ومع تحول "العشب الأخضر الكبير" في حديقة "سنترال بارك" بنيويورك إلى ساحة لأضخم شاشات العرض والاحتفالات الجماهيرية بكأس العالم، كشاهد أثري استثنائي يربط بين عراقة الماضي وصخب الحاضر.

لم تعد هذه المسلة القادمة من محاجر أسوان مجرد نُصب تاريخي صامت، بل أصبحت مغناطيساً بشرياً وملتقى لجماهير الساحرة المستديرة من كل حدب وصوب، لتنصهر تحت ظلها الشامخ الهتافات المونديالية الحماسية مع عبق التاريخ المصري القديم في قلب العالم الحديث.
الأصول الفرعونية والرحلة التاريخية
تعد المسلة المصرية في نيويورك، والمعروفة باسم "إبرة كليوباترا"، أقدم منشأة من صنع الإنسان في حديقة "سنترال بارك" بأكملها.
يعود تاريخ نحتها إلى عام 1475 قبل الميلاد في عهد الفرعون العظيم تحتمس الثالث في مدينة هليوبوليس (عين شمس الحالية)، وجددت لاحقاً في عهد رمسيس الثاني، قبل أن تنقل إلى الإسكندرية في العصر الروماني، وأخيراً استقرت في نيويورك أواخر القرن التاسع عشر كهدية من الخديوي إسماعيل.

تتكون المسلة من قطعة واحدة من الجرانيت الوردي الصلب المستخرج من محاجر أسوان، ويبلغ ارتفاعها حوالي 21 متراً (69 قدماً)، بينما تزن أكثر من 200 طن.
نُقشت على جوانبها الأربعة كتابات هيروغليفية تمجد الإنجازات العسكرية والانتصارات للفرعونين تحتمس الثالث ورمسيس الثاني، وتجسد براعة الفن المصري القديم في التعامل مع أعتى الصخور بدقة متناهية.
ملحمة النقل والوصول إلى أمريكا
كانت عملية نقل المسلة من مصر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1880 بمثابة معجزة هندسية في ذلك الوقت.

تم شحنها بحراً في رحلة شاقة عبر المحيط الأطلسي، وعند وصولها إلى شواطئ نيويورك، استغرق نقلها زحفاً على قيد من الخشب من الرصيف البحري إلى قلب سنترال بارك أكثر من خمسة أشهر، حيث استخدمت منظومة معقدة من الرافعات لضمان عدم تعرضها لأي شرخ.
تمثل المسلة رمزاً للامتداد الثقافي والتأثير المصري القديم في العالم الحديث. بوقوفها شامخة وسط ناطحات السحاب في نيويورك، تخلق المسلة تبايناً بصرياً مذهلاً يجمع بين سحر الحضارة القديمة وصخب الحداثة الأمريكية، وتحولت بمرور العقود إلى مَعلَم رئيسي لا غنى عنه لزوار الحديقة وسكان المدينة على حد سواء.
تحديات الصيانة والترميم
واجهت المسلة تحديات بيئية صعبة بعد نقلها، حيث أثر المناخ النيويوركي البارد والصقيع والتلوث في القرن العشرين على وضوح النقوش الهيروغليفية مقارنة بمناخ مصر الجاف.
دفع هذا الأمر "منظمة الحفاظ على سنترال بارك" بالتعاون مع خبراء الآثار المصريين والدوليين إلى تنفيذ عمليات تنظيف وترميم دقيقة بأحدث التقنيات لحماية الجرانيت وضمان بقاء تفاصيله للأجيال القادمة.
من الأسرار المشوقة المحيطة بالمسلة أنه أثناء تشييد قاعدتها في نيويورك عام 1881، تم دفن "كبسولة زمنية" سرية تحتها.
تحتوي هذه الكبسولة على نسخة من الدستور الأمريكي، وموسوعة علمية، وقاموس باللغة الإنجليزية، وعدد من العملات المعدنية لتلك الحقبة، مما جعل الموقع يربط حرفياً وبطريقة رمزية بين التاريخ البشري القديم والحديث.
تجمع المشجعين وعشاق التاريخ حول المسلة
تجمع المسلة المصرية حولها مجتمعاً فريداً من المشجعين وعشاق الحضارة الفرعونية الذين يتوافدون إليها بانتظام. في مواسم معينة والأعياد الوطنية، يحرص أبناء الجالية المصرية والعربية، إلى جانب الباحثين والسياح المهتمين بالتاريخ، على التجمع في الساحة المحيطة بها حاملين الأعلام ومرددين الأناشيد الثقافية، محولين هذا المَعلَم الصامت إلى منصة حية للاحتفاء بالهوية والتاريخ المشترك وتجسيداً للفخر بجذورهم العريقة في قلب الثقافة الأمريكية.
لا يقتصر التجمع عند المسلة على مجرد التقاط الصور التذكارية، بل يمتد ليشمل تنظيم فعاليات دورية لعشاق الفنون والتاريخ والرياضة.
يلتف المشجعون وهواة الرسم حول القاعدة لرسم تفاصيل النقوش الهيروغليفية، بينما تنطلق من عندها جولات المشي الثقافية والجري الترفيهي؛ حيث تُعد المسلة نقطة انطلاق شهيرة تمنح المتجمعين طاقة إيجابية مستمدة من عظمة هذا الأثر الذي صمد آلاف السنين، مما يجعلها همزة وصل تنبض بالحياة والتفاعل الإنساني اليومي.
منافسات مونديال ٢٠٢٦
خلال منافسات مونديال 2026، تحولت المساحة المحيطة بالمسلة المصرية (إبرة كليوباترا) في سنترال بارك إلى نقطة تلاقي استثنائية لمشجعي كرة القدم وعشاق التاريخ من كل حدب وصوب.
ونظراً لقربها من منطقة "العشب الأخضر الكبير" (Great Lawn) التي احتضنت أضخم شاشات العرض لمباريات كأس العالم في نيويورك، اتخذت جماهير المنتخبات العالمية — وخاصة الجماهير العربية والمصرية التي توافدت للاحتفال بالإنجاز التاريخي لمنتخب "الفراعنة" بالوصول لدور الستة عشر — من ساحة المسلة مقراً رئيسياً للتجمع قبل وبعد المباريات.
سادت أجواء مونديالية ساحرة امتزجت فيها الهتافات الحماسية وصخب المشجعين بهيبة ووقار هذا الأثر الفرعوني الشامخ، لتقدم المسلة خلفية بصرية فريدة تجمع بين عراقة الماضي وحماس الحاضر، وتثبت مجدداً أنها ليست مجرد معلم أثري صامت، بل قلب نابض يجمع الشعوب ويوحد الثقافات تحت مظلة الشغف بالساحرة المستديرة.