أطلقت الهيئة العامة لتعاونيات البناء والإسكان مؤخرًا طرحًا جديدًا للوحدات السكنية في عدة مدن جديدة.. ورغم أن فلسفة الإسكان التعاوني قامت بالأساس على دعم الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل وتوفير ملاذ آمن للشباب، إلا أن الأرقام الواردة في كراسات الشروط الحالية جاءت بصدمة حقيقية لتكشف عن قفزات سعرية قياسية تخرج تمامًا عن نطاق القدرة المالية للشرائح المستهدفة.
وبنظرة واحدة نكتشف أننا أمام أسعار تعجيزية للمتر المربع.. فعند النظر إلى أسعار الوحدات المطروحة (نصف تشطيب) نجد أن قيمتها الإجمالية أصبحت تحاكي أسعار السوق العقاري الاستثماري بل وتنافس القطاع الخاص بشكل مباشر؛ وعلى سبيل المثال في القاهرة الجديدة سجل سعر المتر 25 ألف جنيه.. هذا يعني أن الشقة ذات مساحة 123 مترًا يصل سعرها الإجمالي إلى ما يقارب 3 ملايين و75 ألف جنيه.
وفي مدينة 6 أكتوبر بلغ سعر المتر 18 ألف جنيه لتقترب الشقة مساحة 125 مترًا من حاجز 2.25 مليون جنيه.. أما في العاشر من رمضان وبدر فقد تراوح سعر المتر بين 14 و16 ألف جنيه.. وهي المدن التي كانت تُصنف تاريخيًا كمدن عمالية أو الشباب نظرًا لانخفاض تكاليفها.
أما نظام السداد فهو العبء الأكبر.. فلم تتوقف الصدمة عند السعر الإجمالي للوحدة بل امتدت إلى شروط التعاقد والجدولة المالية المطروحة إذ أصبحت الدفعات الأولية المطلوبة خلال أسابيع وجيزة تمثل عائقًا مستحيلاً أمام أي شاب في بداية حياته.. ففي القاهرة الجديدة الشقة مساحة 123 م مقدم الحجز 307 آلاف جنيه.. ودفعة التخصيص 615 ألف جنيه.. ودفعة الاستلام 615 ألف جنيه. إذن فالمطلوب من المواطن سداد أكثر من 1.5 مليون جنيه كاش خلال فترة وجيزة جدًا لا تتعدى بضعة أشهر لضمان حجز واستلام الشقة "نصف التشطيب"!
وهناك أيضًا عبء الأقساط ربع السنوية التي تصل تصل قيمة القسط ربع السنوي في القاهرة الجديدة إلى 127 ألف جنيه (أي ما يعادل أكثر من 42 ألف جنيه شهريًا). وفي مدينة 6 أكتوبر تبلغ قيمة القسط ربع السنوي 111 ألف جنيه (أي نحو 37 ألف جنيه شهريًا).
وفي مدينة مثل مدينة 15 مايو، للوهلة الأولى يبدو سعر المتر فيها أقل نسبيًا في العرض المقارن حيث يبدأ من 10 آلاف إلى 12 ألف جنيه للمتر.. ولكن عند إخضاع هذا الرقم للتحليل الاقتصادي الفعلي على أرض الواقع نكتشف أنه يمثل ارتفاعًا كبيرًا وشديد الإجحاف.. فمدينة 15 مايو هي في الأساس مدينة جاذبة للعمالة وللشريحة المتوسطة البسيطة والشباب في بداية سلمهم الوظيفي بمناطق جنوب القاهرة.. وبالنسبة لهذه الفئات فإن توفير "مليون وثلث" لشقة نصف تشطيب يعد أمرًا تعجيزيًا لا يتوافق أبدًا مع طبيعة دخلهم أو مدخراتهم، مما يحول المدينة من ملاذ لـ "محدودي الدخل" إلى منطقة استثمارية خارج متناول أصحابها الفعليين.
والسؤال الآن.. هل تناسب هذه الشقق الشباب ومحدودي الدخل؟ بالتأكيد لا.. فإذا كان الحد الأدنى للأجور في الدولة يدور حول مستويات لا تتيح للموظف الشاب أو العامل تغطية ربع هذه الأقساط، فكيف لشاب في مقتبل عمره لا يتجاوز راتبه في أفضل الأحوال بضعة آلاف من الجنيهات أن يوفر قسطًا شهريًا يفوق الـ 35 ألف جنيه؟
ناهيك عن مأزق "نصف التشطيب"، فالوحدات تسلم بدون تشطيب كامل (محارة وحلوق فقط). هذا يعني أن المشتري بعد أن يستنزف كل مدخراته ويستدين لدفع مقدمات الاستلام التي تفوق المليون جنيه، سيجد نفسه مطالبًا بمبلغ لا يقل عن 300 إلى 400 ألف جنيه إضافية لتشطيب الشقة لجعلها صالحة للسكن، مما يجعل الانتقال إليها حلمًا بعيد المدى.
لقد تحولت فلسفة "التعاونيات" من جهة توفر السكن بسعر التكلفة مع هوامش ربح بسيطة للمساهمة في حل أزمة الشباب إلى جهة تطرح وحدات بأسعار استثمارية.. وهو تبرير اقتصادي قد يكون منطقيًا للهيئة لكنه يعصف تمامًا بالبعد الاجتماعي والوظيفة الأساسية التي أُنشئت من أجلها.
إن هذا الطرح بوضعه المالي الحالي تحول تلقائيًا ليخاطب طبقة غير التي نتحدث عنها من الشباب أو الطبقة منخفضة ومتوسطة الدخل، فتحول الخطاب إلى المستثمرين والقادرين بعيدًا عن محدود الدخل الذي يفر من لهيب الإيجارات فأصبح خارج حسابات هذا الطرح تمامًا.
لقد بات من الضروري على وزارة الإسكان وهيئة التعاونيات مراجعة هذه السياسات التسعيرية وإعادة إطلاق مبادرات تمويل عقاري طويلة الأجل تصل إلى 20 أو 30 سنة بفائدة منخفضة مع تقليص حجم المدفوعات النقدية الأولى (المقدم والتخصيص والاستلام) حتى يعود للإسكان التعاوني اسمه وهدفه.. سكن مدعوم يحمي شباب مصر ويبني مستقبلهم.. لا جدار مالي يعزلهم ويحبط طموحاتهم.