ليس أخطر ما يواجه التصوف اليوم هجمات السلفيين الذين يرونه انحرافاً عن الدين، ولا انتقادات الإسلاميين الذين اتهموه طويلاً بالانسحاب من معركة الواقع والتاريخ.
فهذه الخصومات قديمة، والتصوف عرف كيف يتعايش معها عبر قرون طويلة من الجدل والأخذ والرد.
الخطر الحقيقي يأتي من مكان آخر، من داخل البيت نفسه، يأتي حين تتسلل إلى التصوف عقلية لا تنتمي إلى روحه، وتتخفى في لغته ورموزه، ثم تبدأ في إعادة تشكيله من الداخل وفق منطق مختلف تماماً عن منطق التربية والسلوك والروحية، إنها الظاهرة التي يمكن تسميتها "الإخوان الصوفيون".
ولا يُقصد بهذا المصطلح انتماءً تنظيمياً مباشراً إلى جماعة بعينها، بقدر ما يُقصد به تسرب نمط من التفكير قائم على الأدلجة والتنظيم الصارم والولاء المغلق وصناعة المركز الواحد الذي تدور حوله العقول والقلوب.
إنها محاولة لتحويل التصوف من تجربة روحية مفتوحة إلى بنية تنظيمية مغلقة، ومن ساحة للتزكية إلى ساحة للحشد والاصطفاف.
نشأ التصوف تاريخياً باعتباره رحلة لتحرير الإنسان من سطوة الأنا، فإذا ببعض المتصدرين يحولونه إلى مشروع جديد لتضخيم الأنا الجماعية.
كان السالك يهرب من عبودية الدنيا، فإذا به يقع في عبودية التنظيم، وكان الشيخ مربياً ودليلاً إلى الله، فإذا به يتحول تدريجياً إلى مركز نفسي وروحي تدور حوله هوية الجماعة كلها.
في هذا النموذج الجديد لا يعود الشيخ شيخاً فحسب، بل يصبح مؤسسة كاملة، لا يعود واحداً من أهل الطريق، بل يتحول إلى "الطريق" ذاته.
ولا يعود المدد فيضاً إلهياً واسعاً تتعدد مظاهره ومشاربه، لكن يصبح امتيازاً تنظيمياً محصوراً داخل أسوار الجماعة، وهنا تبدأ صناعة النسخة الصوفية من "المرشد العام" وإن اختلفت الألقاب والعمائم.
وتظهر تبعاً لذلك مفاهيم "الشيخ الأوحد" و"الطريقة الوحيدة" و"المدد الحصري" وهي مفاهيم لم يعرفها التراث الصوفي في صورته الواسعة التي اعترفت بتعدد المشارب واختلاف الأحوال والطرق إلى الله.
من الناحية النفسية، تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تستبدل القلق الروحي الصحي باليقين التنظيمي المغلق، فبدلاً من أن يعيش المريد حالة البحث والمجاهدة والتزكية المستمرة، يُدفع إلى الاطمئنان الناتج عن مجرد الانتماء.
شيئاً فشيئاً يصبح الانتماء للطريقة بديلاً عن السير، والولاء بديلاً عن المعرفة، والدفاع عن الجماعة بديلاً عن محاسبة النفس.
وهكذا يتحول المريد من سالك يبحث عن الله إلى عضو يدافع عن التنظيم، ومن طالب تربية إلى جندي في معركة إثبات التفوق على الآخرين.
وهنا تظهر أعراض معروفة في كل التنظيمات الأيديولوجية: تضخم صورة الجماعة، الحساسية المفرطة تجاه النقد، تقديس القيادات، والشعور الخفي بأن الحقيقة الكاملة تقيم داخل الحدود التنظيمية وحدها.
الأكثر إثارة للقلق هو تسلل البنية النفسية للفكر القطبي إلى بعض الخطابات الصوفية المعاصرة، لا عبر الشعارات السياسية المباشرة، بل عبر آلياته العميقة في النظر إلى الذات والآخر.
فقد نشأت لدى بعض النخب الصوفية المتأدلجة حالة من الاستعلاء المعرفي والروحي تجاه التصوف الشعبي وأصحاب الخدمات والساحات والموالد والمشاهد، حتى بدا وكأن هؤلاء جميعاً يمثلون طبقة أدنى من التدين أو الفهم أو الذوق، وهنا يظهر الوجه المستتر لمفهوم "جاهلية المجتمع" في ثوب صوفي جديد.
فكما قسم سيد قطب المجتمع إلى طليعة واعية وجماهير غارقة في الجاهلية، يجري اليوم ـ عند بعض هذه الخطابات ـ تقسيم المشهد الصوفي إلى نخبة تمتلك "التصوف الصحيح" وكتلة واسعة من المريدين والعوام الذين يُنظر إليهم باعتبارهم أسرى للجهل أو الانحراف أو ضعف الإدراك.
وكما أنتج مفهوم "جاهلية المجتمع" شعوراً بالاستعلاء والمفاصلة الشعورية عن الناس، تنتج هذه الأدلجة حالة مماثلة من المفاصلة مع الموروث الصوفي الشعبي نفسه.
وبدلاً من "جاهلية المجتمع" يصبح لدينا ضمناً "جاهلية المتصوفة الآخرين" وبدلاً من "الطليعة المؤمنة" تظهر "الطليعة الصوفية المتشرعة" التي ترى نفسها وحدها مالكة للحقيقة، وصاحبة الحق في توزيع صكوك الشرعية الروحية.
ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف بين مدارس صوفية أو تباين في الأذواق الروحية، بل هو عملية إعادة هندسة للفكرة الصوفية نفسها.
عملية هادئة ومتدرجة تسعى إلى تفريغ التصوف من باطنه الأخلاقي الروحي، وإعادة ملئه بمفاهيم السيطرة والانضباط والاصطفاف.
ومع مرور الوقت قد يظهر جيل يرتدي جبة الصوفية وعمامتها، لكنه يتحرك بعقلية التنظيمات الأيديولوجية المغلقة.
جيل يتحدث عن المحبة لكنه يمارس الإقصاء، ويتحدث عن التربية لكنه ينتج التبعية، ويتحدث عن التواضع بينما يعيش شعور التفوق والاستعلاء.
وهنا يفقد التصوف أحد أهم أسراره التاريخية؛ قدرته على استيعاب التعدد والاختلاف والتنوع الإنساني، فالزاوية تتحول إلى مقر، والمريد إلى عضو، والبيعة إلى ولاء تنظيمي، والتربية إلى تعبئة، والخدمة إلى حشد، والمحبة إلى اصطفاف.
لهذا فإن معركة التصوف الحقيقية في المرحلة المقبلة ليست مع خصومه التقليديين، بل مع هذا التحول الداخلي الصامت.
فالسلفي قد يهاجم التصوف من خارجه، والإسلامي الحركي قد ينازعه من خارجه أيضاً، لكن "الإخواني الصوفي" يعيد تشكيله من داخله، يحتفظ بالاسم والزي والرموز والمصطلحات، ثم يفرغها تدريجياً من مضمونها التاريخي والروحي.
وحينها لن يبقى من التصوف إلا الجبة والعمامة واللافتة، أما الروح التي صنعت مدارس التربية الروحية والمحبة عبر القرون، فستكون قد غادرت المكان منذ زمن، تاركة وراءها هيكلاً تنظيمياً بارداً يحمل اسم التصوف ولا يحمل روحه.