عراقجي يكشف لأول مرة كواليس الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة
كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مطولة مع الإعلامي الإيراني جواد موغوي، تفاصيل غير مسبوقة عن كواليس الحربين اللتين خاضتهما إيران، والمفاوضات النووية التي سبقتهما، إضافة إلى استعدادات طهران لسيناريوهات استهداف القيادة، وعلاقاتها مع دول المنطقة، ورؤيتها لما جرى خلال الحربين.
وقال عراقجي إن إحدى أبرز اللحظات جاءت في اليوم الثالث من الحرب، عندما تلقى اتصالًا من وزير خارجية إحدى دول المنطقة، أبلغه خلاله بأن بلاده ستنفذ، بعد ساعات، ضربة محدودة داخل إيران ردًا على هجمات استهدفت أراضيها، مؤكدا أنها لن تواصل التصعيد، وطالب إيران بعدم الاستمرار أيضًا.
وأضاف عراقجي أنه رد على الوزير بالقول: "سنرد أيضًا، وستبدأ حرب بيننا".
وأوضح أن إيران سمعت لاحقًا تحليلات من دوائر أمريكية وإسرائيلية، كانت تؤكد لدول المنطقة أن عليها فقط الصمود لمدة شهر، لأن "كل شيء سينتهي" بعدها، وأن إيران سترد بإطلاق الصواريخ وستحدث اضطرابات، لكن النظام الإيراني سينهار في النهاية.

وأشار إلى أن هذا التصور تبدد بعد انتهاء الحرب الأولى التي استمرت 12 يومًا، ليتوصل الطرف الآخر إلى استنتاج جديد مفاده أن استهداف القوات العسكرية وحدها لم يكن كافيًا، لأن "القوى السياسية أدارت البلاد وجمعت شتاتها"، ولذلك قرر، في أي مواجهة لاحقة، استهداف القيادات السياسية والقيادة العليا للنظام، مستندًا إلى تجربة فنزويلا، باعتقاد أن ذلك سيؤدي إلى انهيار النظام.
وأضاف أن دولًا صديقة لإيران أبلغت طهران لاحقًا بأنها كانت قد حذرت الأطراف الأخرى من هذا التصور، مؤكدة أن إيران تختلف عن بقية الدول، لأن المجتمع الإيراني يستند إلى حضارة تمتد لآلاف السنين، إضافة إلى العقيدة الشيعية وثقافة الشهادة، وهو ما يجعلها أكثر قدرة على الصمود.
وأكد عراقجي أن إيران لم تُفاجأ استراتيجيًا بالحرب، بل واجهت فقط بعض المفاجآت التكتيكية، مشيرًا إلى أن الرد الإيراني جاء بعد ساعتين فقط من بدء الهجوم، لكنه أقر بوجود مفاجآت في ملف حماية المسؤولين.
المفاوضات لم تؤد إلى الحرب
ورفض عراقجي الرواية القائلة إن المفاوضات النووية كانت سببًا في اندلاع الحرب، مؤكدًا أن قرار التفاوض لم يكن قرارًا شخصيًا، بل قرارًا جماعيًا اتخذته مؤسسات الدولة.
وأوضح أن الطرف الآخر كان يعتقد أن إيران أصبحت ضعيفة بعد التطورات في لبنان وسوريا، وأنها ستسعى إلى امتلاك الردع النووي لتعويض تراجع نفوذها، ولذلك رأى أن الوقت أصبح مناسبًا لتدمير البرنامج النووي الإيراني قبل وصوله إلى مرحلة الردع.
وقال إن المفاوضات كانت تتمحور حول مطلب "التخصيب الصفري"، وإن إيران رفضت هذا الشرط بشكل قاطع، مضيفًا أن الطرف الآخر، بعدما أدرك استحالة انتزاع هذا التنازل عبر التفاوض، لجأ إلى الخيار العسكري.
وأضاف أن رفض إيران التخلي عن حقوقها النووية هو الذي دفع الطرف الآخر إلى الحرب، وليس المفاوضات نفسها، معتبرًا أن نتيجة الحرب التي استمرت 12 يومًا كانت "هزيمة" للطرف المقابل.
لماذا توقفت حرب الـ12 يومًا؟
وأشار عراقجي إلى أن قرار إنهاء الحرب الأولى كان قرارًا جماعيًا اتخذه المجلس الأعلى للأمن القومي، موضحًا أن إيران لم تكن قد استعدت آنذاك لحرب طويلة بهذا الحجم.
وأكد أن الحرب القصيرة تحولت إلى فرصة لاستخلاص دروس عسكرية وسياسية كبيرة، جعلت إيران أكثر استعدادًا للحرب الثانية التي استمرت 40 يومًا.
وأوضح أن أحد مراكز الأبحاث الأمريكية نشر، منذ اليوم الرابع للحرب الثانية، تقديرًا يفيد بأن ما بين 10 و25% من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية كانت تُدمَّر يوميًا، وأن إيران ستفقد معظم قدرتها الصاروخية بحلول نهاية فبراير.
وأضاف أن هذا التقييم استند إلى تجربة الحرب الأولى، لكنه تجاهل أن إيران أعادت خلال الأشهر الثمانية التالية بناء منظومة منصات الإطلاق بالكامل، بحيث أصبح كل ما يُستهدف يُستبدل بسرعة.
وأكد أن قرار وقف الحرب الأولى، رغم الجدل حوله، أثبت صحته لاحقًا، لأنه منح إيران فرصة لإعادة البناء والاستعداد، معتبرًا أن حرب الـ12 يومًا كانت مقدمة للانتصار في حرب الـ40 يومًا.
تفاصيل المفاوضات النووية
وكشف عراقجي أن جميع الأطر الخاصة بالمفاوضات جرى إعدادها داخل لجنة نووية تابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي، والتي تحولت لاحقًا إلى "اللجنة الستة"، مشيرًا إلى أن علي شمخاني كان مسؤولًا عنها لفترة، ثم تولى رئاستها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني.
وأوضح أن اجتماعات اللجنة كانت تتمتع بقوة قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي، وأن محاضرها محفوظة، وربما تُنشر بعد عقود.
وأضاف أنه جرى الاتفاق منذ البداية على أن تستعد البلاد للحرب بالتوازي مع المفاوضات، مؤكدًا أنه كان يكرر دائمًا عبارة "لا ينبغي لأحد أن يُخدع"، حتى إن أحد كبار القادة العسكريين رد عليه قائلاً إن القوات المسلحة مستعدة بالكامل.
رفض "التخصيب الصفري"
وقال عراقجي إن المطلب الرئيسي للطرف الآخر خلال المفاوضات كان "التخصيب الصفري"، ثم تطور لاحقًا إلى المطالبة بتسليم المواد النووية أيضًا.
وأوضح أن إيران أكدت أن المنشآت والمعدات يمكن إعادة بنائها، لكن المعرفة العلمية لا يمكن تدميرها.
وأشار إلى أنه خلال الجولة الثالثة من المفاوضات طُرح تعليق التخصيب لعدة سنوات، وتم الاتفاق فقط على أن تلتقي اللجان الفنية في فيينا يوم الاثنين التالي لمناقشة التفاصيل.
ورفض عراقجي الجزم بأن قبول التعليق كان سيمنع الحرب، لكنه أكد أن إيران كانت ستتكبد خسارة أكبر من الحرب نفسها، لأنها كانت ستتنازل عن كرامتها وحقوقها الوطنية.
وأضاف أن تعليق التخصيب والمواد النووية كانا من القضايا الجوهرية، وأن السنوات المطلوبة لم تكن قليلة.
وأكد أن إيران تمسكت بموقفها حتى لو كان الثمن الحرب، مستشهدًا بمقولة قال إنها كانت تتردد دائمًا لدى القيادة الإيرانية، ومفادها أن الجمهورية الإسلامية لا تخوض الحرب إلا إذا أصبحت تكلفة عدم القتال أكبر من تكلفة القتال.
لماذا اندلعت الحرب الثانية؟
وأوضح عراقجي أنه في السابع من شهر إسفند (مارس) أُجريت مفاوضات في جنيف، وكان مقررًا أن تعقد اللجان الفنية اجتماعًا في فيينا الاثنين التالي.
لكنه قال إنه عاد يوم الجمعة ليجد الأجواء قد تغيرت بالكامل، بعدما تلقى اتصالات من وزراء خارجية في المنطقة أعربوا خلالها عن دهشتهم من التحول المفاجئ نحو الحرب، رغم أن أجواء المفاوضات كانت إيجابية.
واعتبر أن الولايات المتحدة خلصت إلى أنها لن تحقق أهدافها عبر التفاوض، فاختارت الحرب.
وأضاف أن إسرائيل كانت ترى أن القضية النووية مجرد غطاء، وأن الهدف الحقيقي هو إسقاط الجمهورية الإسلامية، مشيرًا إلى أن بنيامين نتنياهو كان يتحدث باستمرار عن "عمل لم يكتمل"، وهو تدمير النظام الإيراني.
وقال إن إسرائيل أقنعت الولايات المتحدة بأن إيران في أضعف حالاتها، وأن الحرب ستحسم خلال يومين أو ثلاثة، لكن هذا التقدير كان خاطئًا، مضيفًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نشر في اليوم الثاني للحرب عبارة "استسلام بلا شروط".
مذكرة تفاهم بعد الحرب
وقال عراقجي إن نهاية الحرب شهدت التوصل إلى مذكرة تفاهم تنص على التزام الطرفين بعدم بدء أي حرب ضد بعضهما البعض، وعدم فرض عقوبات، وعدم استخدام القوة، واحترام السيادة وسلامة الأراضي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
واعتبر أن انتقال الطرف الآخر من شعار "الاستسلام بلا شروط" إلى القبول بهذه المبادئ يمثل مصدر فخر لإيران.
رسائل التهديد إلى دول المنطقة
ورفض عراقجي الاتهامات بأن الدبلوماسية الإيرانية لم تستخدم لغة الردع، مؤكدًا أنه قبل الحرب الـ12 يومًا وصلت المنطقة إلى حافة الحرب ثلاث مرات، وتم منعها عبر رسائل تهديد واضحة.
وكشف أنه التقى أحد قادة المنطقة، الذي أخبره بثقة أن إيران ستتعرض لهجوم، وأن منشآتها النووية والنفطية ستُدمر، ولن تتمكن من الرد.
وأضاف أنه أبلغه بأن أي هجوم على المنشآت النووية أو العسكرية الإيرانية سيقابله رد مماثل، وإذا شاركت الولايات المتحدة فستُستهدف قواعدها في المنطقة، وإذا مُنعت إيران من تصدير النفط فلن يتمكن أي بلد في المنطقة من تصدير نفطه.
وأشار إلى أن المسؤول الإقليمي رد غاضبًا بأن تهديد نفط بلاده سيدفع أوروبا والولايات المتحدة وحتى الصين للتحرك.
وأوضح أنه أكد لذلك المسؤول أن إيران لا تنوي استهداف أراضي الدول الإقليمية، بل القواعد الأمريكية فقط، معتبرًا أن هذه الرسائل دفعت دول المنطقة إلى التحرك لمنع الحرب.
وقال إن المنطقة أدركت في النهاية أنه "لن يكون لها أمن ما لم يتحقق الأمن لإيران".
إيران أصبحت لاعبًا عالميًا
واعتبر عراقجي أن إيران حققت إنجازاتها الاستراتيجية خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، وأثبتت قوتها، وفرضت تكاليف جعلت أي طرف يفكر مليًا قبل خوض حرب جديدة معها.
وأضاف أن إيران انتقلت، من وجهة نظره، من لاعب إقليمي إلى لاعب مؤثر على المستوى العالمي، رغم ما خلفته الحرب من خسائر بشرية وأضرار بالبنية التحتية وصعوبات للمواطنين.

مجتبى خامنئي والقيادة
وقال عراقجي إنه لم يلتقِ مجتبى خامنئي خلال تلك الفترة، مشيرًا إلى أن عددًا قليلًا جدًا من الأشخاص التقوا به.
ورداً على سؤال بشأن احتمال توليه منصب القيادة، قال إنه "كان دائمًا مرشحًا"، مضيفًا أن طرح اسمه كقائد بعث برسالة قوة إلى الولايات المتحدة.
سيناريو استهداف القيادة
وكشف وزير الخارجية الإيراني أن جميع السيناريوهات، بما فيها استهداف القيادة، كانت قد دُرست قبل الحرب، وأوضح أنه لهذا السبب جاء الرد الإيراني سريعًا، وأن القيادة لم تُفاجأ بما حدث.
وأضاف أن أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي كانوا يتجنبون حتى لفظ كلمة "استشهاد القيادة"، ولذلك استخدموا رمزًا خاصًا هو "110"، وكان الجميع يعلم المقصود منه.
قصف مكتب خامنئي
كما كشف عراقجي أنه كان حاضرًا يوم تعرض مكتب المرشد علي خامنئي للقصف، مؤكدًا أن الهجوم وقع نتيجة "ثغرة أمنية" لا تزال آثارها مستمرة وتؤثر حتى في آلية اتخاذ القرار.
وأوضح أنه أثناء مغادرته المبنى سأل المسؤول الإيراني حجازي عما إذا كان المرشد موجودًا داخل المبنى، فأجابه بأنه لا يعلم.
وأضاف أن حجازي أُخرج من بين الأنقاض، وأن سكرتيرة مكتبه أكدت أنه لم يُعثر على أي أثر من جثمانه، مشيرًا إلى أن المجمع الذي يضم المبنى تعرض لثلاث ضربات خلال ثوانٍ معدودة.
واختتم عراقجي بالتأكيد على أن إيران كانت مستعدة لكل الاحتمالات، وأن الرد السريع منذ اللحظات الأولى للهجوم كان نتيجة التخطيط المسبق والاستعداد لجميع السيناريوهات.



