خلال الأسبوع الماضي، شهد المجتمع المصري على وسائل التواصل الاجتماعي ثلاثة مواقف مختلفة، لكنها تشترك في شيء مهم هو أن كلها كانت تحتاج إلى تدخل من نقباء المهن.
ثلاثة نقباء لمهن مهمة وجدوا أنفسهم أمام اختبارات مختلفة؛ لم تكن الأسئلة واحدة ولا الظروف متشابهة، لكن الموقف في كل مرة كان يحتاج إلى شيء من الحكمة والقرار، وقدرة على التمييز بين ما يخص المهنة وما يتجاوزها.
ولأننا نتحدث عن أدوار عامة ومواقع لها تأثيرها، فإن السؤال ليس من كان على حق ومن كان مخطئًا، وكان السؤال الأهم: هل أُديرت المواقف بالطريقة التي تليق بمكانة النقابة والنقيب؟
في تقديري، كانت هناك فرص أكبر للنجاح.
النقيب ليس مطلوبًا منه أن يكون صامتًا، بل إن النقيب الذي لا يملك رأيًا لا يصلح لقيادة نقابة، وطبعًا من الطبيعي أن يتحدث ويختلف وأن يدافع عن أعضاء مهنته ويتخذ مواقف في القضايا التي تمسهم.
لكن هناك فارقًا بين أن تدير موقفًا وأن تصبح جزءًا من توتره.
أظن أن النقابي الناجح يعرف أن أول مسؤولياته في الأزمات هي أن يحمي المهنة، مع الحفاظ على مساحة للحوار وأن يترك مجالًا للعقل. أما الموقف الذي يتحول فيه النقاش إلى معركة لإثبات القوة، فغالبًا ما يخسر الجميع حتى لو بدا أحد الأطراف أكثر حضورًا أو أعلى صوتًا.
وهنا تظهر مشكلة تضخم المنصب.
النقيب في الأصل ليس زعيمًا سياسيًا، ولا شيخًا للمهنة، ولا وصيًا على أعضائها؛ هو موجود لتمثيلهم والدفاع عن مصالحهم وإدارة شؤون نقابتهم، ولكن بعض المواقع تمنح أصحابها مع الوقت شعورًا إضافيًا بالسلطة، وقد يتحول هذا الشعور إلى قناعة بأن النقيب يعرف أكثر، ويرى أبعد، ويمثل الجميع في كل الأحوال، حتى أولئك الذين لا يتفقون معه.
وهكذا يصبح النقيب سمينًا.
ليس المقصود سمينًا في جسده، فهذه ليست القضية؛ السمنة هنا في المنصب، وفي المسافة التي تكبر بين الشخص والوظيفة التي يشغلها، وفي الاعتقاد بأن الكرسي أضاف إلى رأيه قيمة لا يملكها الرأي نفسه.
والنقيب السمين لا يكتفي بأن يكون نقيبًا، بل يريد أن يكون مرجعًا، ثم يتحول المرجع إلى صاحب موقف، ثم يتحول الموقف إلى موقف النقابة، وبعدها قد يصبح من يعترض على موقف النقابة وكأنه يعترض على النقيب نفسه، وفي لحظة ما تبدأ المؤسسة في التراجع خلف الشخص.
وهذه ليست بالضرورة مشكلة في النوايا، فأحيانًا يكون السبب هو اتساع مساحة الاهتمام بالموقع أو كثرة الظهور وحسن النية بأن النقيب مطالب دائمًا بأن يكون حاضرًا في كل نقاش، ولكن حسن النية لا يلغي أهمية الحدود.
فليس كل ما يستطيع النقيب أن يقوله ينبغي أن يقوله باسم النقابة، وليس كل رأي شخصي يتحول تلقائيًا إلى موقف مهني، ولا أعتقد أن كل قضية عامة تحتاج إلى تدخل نقابي حتى لو كان للنقيب فيها رأي واضح.
المجتمع المصري شهد خلال الأسبوع الماضي ثلاثة مواقف كان يمكن أن تكون فرصة لنقباء المهن لكي يقدموا نموذجًا مختلفًا في إدارة الأزمات، بمعنى نموذجًا يقول إن النقابة تستطيع أن تكون قوية من دون أن تكون صدامية، وأن يكون للنقيب حضور من دون أن يطغى على المؤسسة، وأن يكون الموقف واضحًا من دون أن يغلق باب النقاش.
وهنا يأتي الاختبار الحقيقي:
هل يستطيع النقيب أن يمثل من يختلفون معه لا فقط من يؤيدونه؟
هل يستطيع أن يستمع إلى النقد من دون أن يعتبره انتقاصًا من موقعه؟
هل يستطيع أن يفرق بين الدفاع عن المهنة والدفاع عن صورته الشخصية؟
وهل يعرف أن قوة النقابة لا تقاس بقدرتها على إسكات المختلفين، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف؟
النقابة ليست مجلسًا يجتمع فيه أصحاب رأي واحد؛ هي في النهاية مساحة تجمع أصحاب مهنة واحدة وقد يختلفون في السياسة وفي الرؤية وفي تقدير المواقف. وهذا الاختلاف ليس عيبًا، بل إن النقابة التي لا تسمح إلا بصوت واحد قد تبدو أكثر انضباطًا لكنها قد تكون أقل حيوية.
القوة الحقيقية أن يستطيع النقيب أن يحمي حق عضو في التعبير عن رأي لا يعجبه، وأن يفرق بين النقد والإهانة، وأن يعرف أن منصبه لا يمنحه حق امتلاك المهنة بل يحمّله مسؤولية خدمتها.
خلال أسبوع واحد رأينا ثلاثة اختبارات مختلفة، وربما كان القاسم المشترك بينها أن كل موقف كان يحتاج إلى إدارة أكثر من حاجته إلى استعراض القوة.
وهنا لا أظن أن المطلوب هو البحث عن خاسر أو توزيع أحكام نهائية؛ فالمواقع العامة بطبيعتها صعبة، والقرارات لا تكون دائمًا سهلة، وكل نقيب قد يجد نفسه في لحظة مضطرًا إلى اتخاذ موقف سريع تحت ضغط كبير.
لكن المراجعة تظل ضرورية؛ فالنقيب ليس فوق المهنة، والنقابة ليست ملكًا للنقيب، والمنصب مهما كان مهمًا لا يمنح صاحبه حق الحديث في كل شيء، ولا يلغي حق الآخرين في أن تكون لهم رؤى مختلفة.
ربما نحتاج فقط إلى أن نتذكر أن النقيب الحقيقي هو الذي يزداد وزنًا بقيمة ما يضيفه إلى مهنته، لا بحجم المساحة التي يشغلها في المشهد.
أما إذا زاد وزن المنصب حتى لم يعد صاحبه قادرًا على رؤية حدود دوره، فربما لا يكون لدينا نقيب ذو وزن.
ربما يكون لدينا فقط... نقيب وزنه زائد على الكرسي.