نزيف كسور وصعوبة في التنفس: الحقيقة الكامنة وراء أقنعة المونديال
قد تبدو الأقنعة التي يرتديها لاعبو المونديال على وجوههم رمزًا للصلابة والقوة، لكنها غالبًا ما تخفي وراءها إصابات معقدة في الأنف، الفك، وعظام الوجه، وهذه الضربات، التي تنتج عادةً عن الالتحامات بالرؤوس، المرافق، والأكتاف، قد تعيق التنفس وتخفي أضرارًا لا تظهر فورًا.
يوضح أطباء الرياضة وأخصائيو الأنف والأذن والحنجرة من هم اللاعبون الأكثر عرضة للخطر، ما الذي يجب فحصه فورًا على أرضية الملعب، ومتى قد تدفع القيمة الغالية ثمن العودة السريعة للمباراة.

بات في الآونة الأخيرة، هذا المشهد مألوفًا أكثر في ملاعب المونديال: لاعبون يدخلون المستطيل الأخضر ووجوههم مغطاة جزئيًا بأقنعة واقية.
ففي مونديال 2026، رأينا هذا المظهر مع جد سبينس (إنجلترا)، شتيفان بوش (النمسا)، وحارس مرمى المنتخب الجزائري لوكا زيدان، بعد تعرضهم لإصابات في الفك أو عظام الوجه.
وقبلهم، لمع كيليان مبابي الذي خاض مباريات يورو 2024 بقناع إثر كسر في الأنف، والاتحادي الكرواتي يوشكو جفارديول الذي ظهر بقناعه الواقي في مونديال 2022.
يسلط هذا المظهر البارز الضوء على نوع من الإصابات يظل عادة خارج دائرة النقاش حول مخاطر كرة القدم: كدمات وكسور عظام الوجه.
قد تحظى هذه الإصابات باهتمام أقل مقارنة بتمزق الرباط الصليبي أو الإصابات العضلية، لكنها قد تنطوي على أضرار جسيمة، بل وقد تستدعي تدخلًا جراحيًا بعد أشهر من التعرض لها.
الهدف: حماية اللاعبين بعد الإصابة
يقول الدكتور ليور ليفر، الطبيب الرئيسي لاتحاد كرة القدم ومدير قسم إصابات الرياضة وتنظير المفاصل في المركز الطبي "هيلل يافي": «إصابات الوجه والرأس ليست الأكثر شيوعًا في كرة القدم، لكنها تحدث بالتأكيد».

وخلافًا للاعتقاد السائد، نادرا ما تكون الكرة نفسها هي السبب؛ إذ يوضح الدكتور ليفر: «السيناريوهات الأكثر تكرارًا تشمل الالتحامات الهوائية بين لاعبين، الاصطدام بين لاعب وحارس المرمى، ضربات الرأس المشتركة، أو ارتطام المرفق بالوجه.
في بعض الأحيان، يقفز لاعب للكرة ويدخل لاعب آخر تحته، فيفقد التوازن ويسقط على رأسه، لكن هذا الآلية أقل شيوعًا».
لا يتوزع الخطر بالتساوي بين اللاعبين؛ حيث يشير الدكتور ليفر إلى أن الكرات الركنية أو العرضيات تخلق تكدسًا كبيرًا للاعبين الذين يقفزون معًا.
ويضيف: «حراس المرمى والمدافعون هم الأكثر عرضة للخطر، لأنهم يشاركون في صراعات هوائية بمعدل أعلى، ويميلون للاندفاع نحو أقدام لاعبي الخصم، سواء في التاكلينج أو الارتماء الأرضي بالنسبة للحراس».
الضربات قد تطال أي منطقة في الوجه

ويفصل الدكتور ليفر قائلاً: «نواجه كسورًا في محجر العين، وكسورًا في منطقة الفك، وإصابات في مفصل الفك قد تؤدي إلى خلعه أو تخلخله، هناك أيضًا كسور في الأسنان، وبالطبع إصابات منطقة الأنف، وهي الأكثر شيوعًا على الإطلاق، لكون الأنف عضوًا بارزًا في الوجه يسحل استهدافه في ضربات الرأس أو المرافق».
يتم تخصيص نوع القناع وفقًا للمنطقة المتضررة ومستوى الحماية المطلوبة.
ويوضح د. ليفر أن استخدام القناع يأتي في الغالبية العظمى من الحالات بعد الإصابة؛ حيث يكون اللاعب قد تعافى طبيًا، لكنه لا يزال يتخوف من ضربة متجددة ولا يشعر بالأمان الكافي للعب دون حماية.
وأشار الدكتور ليور ليفر: «في إصابات الرأس لا نغامر أبدًا، نتيح لطبيب الفريق إجراء تقييم فوري لاستبعاد حدوث ارتجاج في المخ، وهو ما يستغرق أحيانا دقيقتين إلى ثلاث دقائق أو أكثر، حتى لو ثار الشك، فإن التعليمات الحالية صارمة للغاية وتلزم بإخراج اللاعب من المباراة تمامًا».
ومن أبرز الأمثلة التاريخية على المخاطر التي تواجه حراس المرمى، النجم التشيكي بيتر تشيك، حارس تشيلسي السابق، الذي تعرض لكسر في الجمجمة في مرحلة مبكرة من مسيرته تطلب جراحة معقدة، وظل يرتدي خوذة واقية لسنوات؛ خوذة مرنة تشبه خوذات الرغبي، وفرت له حماية جزئية من الصدمات المتكررة.
ومع ذلك، عند حدوث إصابة في الوجه، لا يكون الكسر هو الخطر الآني الأكبر دائمًا؛ فنظرًا للقرب من الدماغ وعنف الارتطام، يتعين على الطاقم الطبي استبعاد حدوث ارتجاج في المخ كخطوة أولى وأساسية، قبل النظر في وجود كسور أو العمل على إيقاف النزيف.
وإذا تعذر استبعاد الارتجاج، فلا يسمح للاعب بالعودة للميدان بتاتًا، بل تطبق بروتوكولات صارمة قبل منح الضوء الأخضر لعودته مستقبليًا.
الإصابة التي لا ترى دائمًا من الخارج
لا تقتصر إصابات الوجه على المشهد الدرامي فوق العشب، بل قد تخفي كسورًا داخليًا وتضررًا في الحاجز الأنفي. الأنف، باعتباره خط الدفاع الأول في الوجه، قد يتعرض لنزيف حاد وضرر داخلي حتى من ضربة تبدو بسيطة.
يشرح الدكتور شنير بار، أخصائي الأنف والأذن والحنجرة في خدمات "مكابي" الصحية: «يتكون الأنف من عظام صغيرة متصلة، غضاريف، وشبكة غنية جدًا بالتروية الدموية والأعصاب.
وتجعل هذه التركيبة تجعل الأنف عرضة للكسور والنزيف بسهولة فائقة مقارنة بأعضاء أخرى، حتى لدى اللاعبين الأقوياء ذوي البنية الضخمة».
وتلعب العوامل الجوية دورًا في حدوث ذلك، خاصة في المونديال الحالي الذي تصدرت فيه درجات الحرارة المرتفعة والأجواء الجافة العناوين، حيث يزداد تدفق الدم والنزيف في هذه الظروف، ولكن كمية الدم لا تعكس بالضرورة خطورة الفطورة؛ فبينما يظهر الورم أو النزيف أو الاعوجاج خارجيًا، فإن الضرر الأكبر قد يكمن في الداخل.
يلعب الحاجز الأنفي الغضروفي الذي يقسم الأنف دورًا رئيسيًا في تمرير الهواء، وأي تضرر فيه قد يغير مجرى التنفس لفترات طويلة.
كما أوضح الدكتور شنير بار: «قد يحدث كسر لا يغير مظهر الأنف الخارجي تقريبًا، لكنه يتسبب في اعوجاج داخلي بالحاجز الأنفي يؤدي لصعوبة التنفس، والتنفس أمر حيوي لكل إنسان، فكيف إذا كان رياضيًا من النخبة؟»
والمفارقة أن هذا الاضطراب قد لا يظهر مباشرة بعد الضربة، بل قد يشتكي اللاعب بعد فترة من صعوبة في التنفس دون ربطها بالحادثة فورًا.
كما أن وجود الكسر في حد ذاته قد لا يستدعي علاجًا إذا ظل الأنف مستقيمًا والحاجز سليمًا والتنفس طبيعيًا، بينما قد يحدث العكس تمامًا بوجود تشوه داخلي يعيق الأداء دون أي أثر خارجي، وهذا هو السبب الرئيسي في اللجوء للأقنعة الواقية؛ فحتى لو لم يشعر اللاعب بضرر فوري، فإن أي ضربة خفيفة أخرى قد تفاقم الوضع بشكل خطير خلال أيام التعافي الأولى.
إصابات قد تغير ملامح الوجه
إلى جانب مخاطر الضربات المتجددة، تبرز مضاعفات طارئة تستوجب التدخل السريع، أبرزها "الورم الدموي في الحاجز الأنفي" (Septal Hematoma)، وهو تجمع دموي حول غضروف الحاجز يؤدي لقطع التروية الدموية عنه، ما قد يتسبب في تآكله وانهياره؛ وهي حالة قد تؤدي إلى تشوه يُعرف بـ "الأنف السرجي" (Saddle Nose) حيث يهبط جسر الأنف ويصبح بحاجة لجراحة ترميمية.
وعلى الرغم من أن الأنف في الواجهة، إلا أن الضربات العنيفة قد تطال الأذنين أيضًا، مسببة ما يُعرف بـ "الورم الدموي للأذن" (Otohematoma)، وهو شائع لدى مصارعي الـ MMA ولكنه يحدث في كرة القدم أيضًا، حيث يتجمع الدم حول غضروف الأذن الخارجية مما قد يؤدي لموت الأنسجة (الغرغرينا) وتحول شكل الأذن لما يشبه "القرنبيط" إذا لم يعالج خلال نافذة زمنية لا تتعدى الأسبوعين.
كما سجلت حالات لثقب طبلة الأذن بسبب الضربات، مما يؤثر على السمع مؤقتًا، وفي نهاية المطاف، قد يعكس القناع على وجه اللاعب إصرارًا وعزيمة على العودة السريعة للمنافسة، لكنه يظل تذكيرًا صارخًا بأن خلف النزيف والتورم قد يختبئ ضرر معقد.
وتكمن الخطورة في أن بعض هذه الإصابات لا تظهر آثارها فورًا، فإن التشخيص الدقيق والمتابعة الطبية والحماية المستمرة هي التي تحدد ما إذا كانت الضربة ستمر بسلام، أم سترافق اللاعب لفترات طويلة بعد صافرة النهاية.