كيف نجح منتخب فرنسا في تحقيق ما عجزت عنه السياسة؟
لم تتمكن الحكومات الفرنسية المتعاقبة ولا الخطابات السياسية المتكررة من تحقيق ما نجح فيه المنتخب الفرنسي خلال دقائق المباريات، حيث تحولت مسيرة "الديوك" في كأس العالم إلى مساحة استثنائية جمعت الفرنسيين بمختلف أصولهم وأديانهم وخلفياتهم تحت راية واحدة وقميص واحد، في مشهد أعاد تسليط الضوء على مفهوم "العيش المشترك".
ورصد تقرير ميداني نشرته صحيفة "هايفن" البريطانية هذه الحالة، موضحا أن كرة القدم تمكنت، ولو بشكل مؤقت، من تجاوز الانقسامات المرتبطة بالهوية والهجرة والدين، ومنحت الفرنسيين نموذجا عمليا للوحدة الوطنية، حتى لو اقتصرت تلك الوحدة على مدة 90 دقيقة فقط.
وتزامنت مباراة المنتخب الفرنسي في نصف نهائي كأس العالم مع احتفالات العيد الوطني الفرنسي، حيث امتلأت الشوارع والساحات والمقاهي بالأعلام الفرنسية، وارتدى آلاف المواطنين قمصان المنتخب، في مشهد عكس إحساسا جماعيا بالانتماء بعيدا عن الاختلافات الثقافية والدينية.

ونقلت الصحيفة عن الفرنسية من أصول جزائرية دجيميا تراري قولها إن المنتخب أثبت أن الجميع قادر على تمثيل فرنسا، بغض النظر عن الدين أو الخلفية، مؤكدة أن هذه اللحظات تمنح الأمل بإمكانية بناء مجتمع أكثر ترابطا.
وفي حي بيلفيل بالعاصمة باريس، الذي يعد من أكثر أحياء المدينة تنوعا، تراجعت مظاهر الاختلاف الاجتماعي والثقافي خلال البطولة، حيث اجتمع سكان من أصول عربية وإفريقية وآسيوية وفرنسية خلف المنتخب، بينما طغى العلم الفرنسي على المشهد العام.
وقال عدد من الشبان الذين تحدثت إليهم الصحيفة إن المنتخب منحهم شعورا حقيقيا بالمواطنة والانتماء، مشيرين إلى أن الرياضة استطاعت خلق مساحة مشتركة تجمع الجميع بعيدا عن الخلافات السياسية المعتادة.
ورغم أن المنتخب الفرنسي يضم لاعبين من خلفيات عرقية ودينية متعددة، بينهم عدد من اللاعبين المسلمين، فإن معظم المشجعين الذين التقتهم الصحيفة أكدوا أن الرابط الأساسي بينهم لم يكن الدين أو الأصل، وإنما تمثيل فرنسا والرغبة في تحقيق النجاح الرياضي.
وترى الصحيفة أن هذه التجربة أظهرت قدرة الرياضة على خلق لحظات من التلاحم الوطني يصعب على السياسة تحقيقها، بعدما تراجعت مؤقتا النقاشات المتعلقة بالهجرة والهوية، وحل محلها شعور جماعي بالفخر والانتماء.
لكن التقرير أشار في الوقت نفسه إلى أن هذه الحالة لم تستمر طويلا، إذ عادت النقاشات السياسية المرتبطة بالهجرة والإسلام والهوية إلى الواجهة بعد خروج المنتخب من البطولة، ما يؤكد أن كرة القدم استطاعت تخفيف حدة الانقسامات لفترة محدودة، لكنها لم تعالج جذورها بشكل كامل.



