في كل عام، ومع انتهاء امتحانات الثانوية العامة، تمتلئ الشوارع بمظاهر الاحتفال، وتختلط مشاعر الأسر بين الدموع والابتسامات. لكن في المقابل، تظهر في بعض الأماكن مشاهد لا تمت إلى الفرح الراقي بصلة؛ رقص في الطرقات، وسلوكيات غير منضبطة، وتصرفات غير مهذبة، حتى أصبح البعض يظن أن الفرح لا يكتمل إلا إذا تجاوز حدود الأدب والقيم.
وهنا يفرض سؤال نفسه: هل الإسلام يعارض الفرح؟ وهل كل فرح مذموم؟ أم أن الإسلام لا يحارب الفرح، وإنما يهذبه ويوجهه؟
إن المتأمل في القرآن الكريم يجد أن الله تعالى ذم نوعًا من الفرح، ومدح نوعًا آخر.
فقال سبحانه عن قارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ، ولم يكن النهي عن السرور في ذاته، وإنما عن الفرح المتكبر الذي يولد البطر والخيلاء ونسيان المنعم.
وفي المقابل، أمر الله تعالى بالفرح في موضع آخر فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. فهذا فرح بالإيمان، والقرآن، والهداية، ونعمة الله، وهو فرح يقود إلى الشكر والتواضع والطاعة.
فالفرق بين الفرحين واضح؛ فالفرح المذموم يجعل الإنسان ينسى الله ويتجاوز حدوده، ويتحول إلى استعراض وتفاخر وإيذاء للناس، أما الفرح المحمود فيزيد صاحبه شكرًا لله، ويعبر عنه بوسائل مشروعة تحفظ الكرامة والأخلاق.
إن المسلم يفرح، لكنه لا ينسى أنه عبد لله في فرحه كما هو عبد له في حزنه. ولذلك كان النبي ﷺ إذا جاءه ما يسره حمد الله وشكره، ولم يكن فرحه سببًا في تجاوز حدود الشرع أو الاعتداء على حقوق الآخرين.
فلنربِّ أبناءنا على أن النجاح الحقيقي ليس في الحصول علي ما تصبو اليه فقط، وإنما في المحافظة على الأخلاق مع النجاح، وأن أجمل احتفال هو الذي يبدأ بسجدة شكر، ودعاء للوالدين، وشكر لمن أعانك، وإدخال السرور على نفسك وعلي من حولك، دون إسفاف أو ابتذال.
فالفرح الذي يحبه الله هو ما كان بطاعته، ومن فضله، وقاد إلى شكره، أما الفرح الذي يقود إلى البطر وإضاعة الحياء، فهو فرح مذموم، مهما صفق له الناس أو انتشر في وسائل التواصل.