عاجل

وكأنه مكتوب علينا أن نجد وسط الفرحة سارقًا لها بقصد أو بغير قصد.

تابعنا جميعًا تلك الحالة التي صنعها أبطال المنتخب الوطني عند عودتهم، ومظاهر الفرحة عادت من جديد على وجوه المصريين وملأت نفوسهم وتستمر إن شاء الله، وتابعنا أيضًا من يحاول أن يفسد على الناس فرحتهم بهذه الحالة. ومعظمنا يسأل لماذا دائماً هناك سارق للفرحة كما فعل حكم مباراة مصر والأرجنتين التي لن ينساها المصريون، وهناك من يصف هذه المظاهر بالأڤورة التي هي أعلى من المبالغة واختلاق الفرحة، وغيرهم أفرادًا كانوا أو لجانًا.

ولكن أولًا؛ دعونا نجد تعريفًا للفرحة، ومتى تكون حرة لا حدود لها، ومتى تكون مقيدة بقيد ما، وما الذي يشعلها وما الذي يخمدها، وهل هناك فرق بين الفرحة والسعادة فعلاً؟

في علم النفس، الفرحة هي شعور داخلي تحركه محفزات خارجية يتم التعبير عنها بطرق عدة تختلف باخلاف المحفز وعوامل أخرى كالزمان والمكان، وهل هي فرحة لأمر خاص أم للغير فردًا كان أو وطنًا؟ فقد تعيش معدوم الراحة في وطن ولكن تفرح بتحقيق غيرك له نصرًا، كما أن الفرحة ينظر إليها كأحد الانفعالات الأساسية التي تعزز البقاء والتواصل الاجتماعي.

وهنا يتجلى الفرق بين الفرحة والسعادة؛ فليس كل فرحان سعيدًا وليس كل سعيد فرحانًا، الفرحة حالة كلنا نمر بها طالت أم قصرت، أما السعادة فهي شعور لا يذوقه إلا من رضي بالألم قبل الفرح.

أما عن متى تكون الفرحة حرة تظهر على أي شكل فيراه البعض مستحقًا، في حين يرى البعض الآخر أنه مبالغ فيه، وبعض آخر يسفه أصلًا الفرحة، وهناك قلة تحاول سرقة الفرحة من صاحبها بالبحث عنهم وبخ سمومهم فيهم لتنقلب الفرحة إلى ضيق ويتعكر الصفو. فالفرحة هي إحدى أكثر اللحظات صفاءً، كل نفس فرحانة هي نفس صافية؛ تسامح وتحب وتنطلق وتخطئ، وربما يتحول الانطلاق فيها إلى شطح، وتعود النفس إلى طبيعتها بعد زوال لحظة الفرحة، الطبيعة التي يسوق فيها العقل.

فهل هناك عاقل يجري وراء حافلة في عز الحر إلا بدافع فرحة مجردة بلحظة يراها تاريخية؟ فتجريد المشاعر من الاختلافات الأيديولوجية والالتفاف حول هدف واحد، وتجريد الاختيارات من حسابات مادية، هما طرفا معادلة تساهم في بناء الأوطان.

هناك من يرى أن مجرد إحساسك بالفرح ليس من حقك أن تعبر عنه أو حتى تشعر به، وتجد عنده مبررات لها من يؤيدها.

أيها المعترض، ويا أيها الرافض، ويا أيها الناقد: من حقك أن لا تشعر بالفرحة ولا يستطيع أحد أن يتهمك بما ليس فيك، لكن مالك ومال من يفرح ويعبر عن فرحته طالما لم يستفز مشاعرك ويجور عليها إن كنت حزينًا أو ما شابه؟ لا أستطيع أن أقول فيك ما هو في علم الاجتماع، حيث المنظمات واللجان التي تعمل على بث الروح السلبية بين أفراد المجتمعات ووأد مشاعر الفرح والفخر بنجاح أو نصر يحققه الوطن في مجال من المجالات، خاصة إن كان في مجال يلتف حوله العالم وهم يعلمون ذلك جيدًا، وإن لم يعلموا فليبحثوا في كتب التاريخ عما تفعله كرة القدم في توحيد الشعوب، وما فعله ديدييه دروجبا في وطنه ساحل العاج أقرب مثال على ذلك.

قد لا تهتم بعض شعوب العالم بالسياسة، لكن على الأقل الجميع يهتم مثلاً بالاقتصاد وكرة القدم كأمرين موجودين داخل كل أسرة على هذا الكوكب. إذن، فناكر هذا الأمر لم يأتِ بعد، أما من يحاول التقليل أو التسفيه ويردد: (ماذا حدث يعني من صعود بعض اللاعبين لدور الستة عشر في بطولة كرة قدم؟ أين الإنجاز في ذلك حتى يتم تكريمهم بهذا الشكل؟ وهناك من يقول: ماذا لو فتحوا القدس؟ ومن هذا الكثير)، فهؤلاء موجودون.

لا يا سيدي، هو إنجاز وإنجاز في مجاله أنت تعلم أنه كبير، سياسة كانت أو اقتصاد، وعليه فلا علاقة له إطلاقًا بفتح القدس الذي له طرقه المعروفة فكفاك هذه النغمة، واعلم أنه لم يبخل هذا الشعب العظيم وهذا المنتخب تحديدًا، وهذا الوطن بقيادته الرشيدة الواعية بقيمة كل إنجاز ومردوده على صورة الوطن الذي عادت شمسه الذهب، لم يبخلوا على القضية يومًا.

عندما تصبح حديث العالم بين ليلة وضحاها ويستمر الحديث عنك بكل فخر واعتزاز، لابد أن يرى هذا العالم كيف يستقبل هذا الوطن العظيم أبطاله العائدين من رحلة رفعوا فيها اسم بلادهم عاليًا كما هو دائمًا. أين المشكلة أن يبالغ الناس في فرحتهم بكل حب لهذا الوطن لا يفرق بينهم دين ولا جنس ولا عمر؟ ورأينا أطفالنا الذين كنا نخاف يومًا على هويتهم يطمئنوننا عليها طوال مشوار المنتخب عند تشجيعهم وفرحتهم بمنتخبهم، ويكفيه أنه إنجاز لو تعلمون عظيم (لو)، لم يربط الناس جميعًا رابطًا في هذا الأمر إلا فرحتهم بوطنهم بعيدًا عن أي انتماء محلي كروي.

قليلة هي اللحظات التي يفرح فيها الجميع، فدعوهم وشأنهم، وحاولوا أن تطلقوا أنفسكم وتفرحوا معهم، الفرحة بالوطن واجب وحبه فريضة فرضها الله.

"افرحوا تصفو نفوسكم، فالكنز في الصفاء يا سارق الفرحة".

تم نسخ الرابط