عاجل

من حقول الأرز إلى مزارع سمكية..هل ينجح الاستزراع التكاملي في زيادة دخل الفلاح؟

مزارع سمكية
مزارع سمكية

في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، وتزايد الطلب على البروتين الحيواني، عاد الاستزراع السمكي داخل حقول الأرز إلى دائرة الاهتمام باعتباره أحد نماذج الزراعة التكاملية التي تتيح إنتاج الأرز والأسماك في آن واحد، مع تعظيم الاستفادة من الأرض ومياه الري دون الحاجة إلى موارد مائية إضافية.

وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان النقابة العامة للفلاحين إطلاق مشروع للتوسع في الاستزراع السمكي داخل حقول الأرز بالتعاون مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة هذا النظام على تحسين دخل المزارعين وتعزيز الأمن الغذائي.

نظام متكامل يعظم الاستفادة من الموارد

قال الدكتور عبد الرحمن سلامة، الباحث بقسم بحوث الاقتصاد بالمعمل المركزي لبحوث الثروة السمكية بمركز البحوث الزراعية، إن الاستزراع السمكي في حقول الأرز يعد أحد أهم نظم الإنتاج الزراعي المتكامل، لما يحققه من زيادة في إنتاج الأرز والأسماك معًا، إلى جانب تعظيم الاستفادة من الأراضي الزراعية والموارد المائية.

وأضاف، في تصريحات لـ”نيوز روم”، أن مصر تمتلك مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالأرز تقترب من مليوني فدان، إلا أن المساحات المستغلة في هذا النظام تراجعت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما انعكس على حجم الإنتاج السمكي، رغم الزيادة المستمرة في الطلب على الأسماك باعتبارها مصدرًا رئيسيًا للبروتين.

وأشار إلى أن التوسع في هذا النظام أصبح ضرورة لمواجهة الفجوة الغذائية السمكية، مؤكدًا أنه يساهم في زيادة الإنتاج المحلي دون استهلاك كميات إضافية من المياه.

زيادة إنتاجية الأرز وخفض التكاليف

وأوضح سلامة أن الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن دمج تربية الأسماك مع زراعة الأرز يرفع إنتاجية الفدان بنسبة تتراوح بين 5 و15%، نتيجة تحسين نمو النباتات وزيادة عدد التفريعات والحبوب، مع انخفاض نسبة الحبوب الفارغة والحد من الجفاف داخل الحقول.

وأضاف أن إنشاء قنوات مائية داخل الحقل يوفر بيئة مناسبة لتربية الأسماك، فيما تقوم أنواع مثل البلطي والمبروك بالتغذي على الحشائش والآفات الزراعية، بينما تسهم مخلفاتها العضوية في تحسين خصوبة التربة وتقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيميائية، بما ينعكس على خفض تكاليف الإنتاج.

مكاسب بيئية واجتماعية

وأكد الباحث أن فوائد النظام لا تقتصر على العائد الاقتصادي، بل تمتد إلى الجوانب البيئية والاجتماعية، من خلال توفير مصدر دخل إضافي للمزارعين، ودعم إنتاج زريعة البلطي والمبروك، بما يسهم في تنمية قطاع الاستزراع السمكي وتعويض المخزونات السمكية في الأنهار والبحيرات.

وأشار إلى أن وجود الأسماك داخل الحقول يساعد أيضًا في القضاء على الحشرات واليرقات والكائنات الناقلة للأمراض، مثل يرقات البعوض وبعض الديدان، وهو ما يقلل الحاجة إلى استخدام المبيدات ويحافظ على التوازن البيئي.

كيف ترفع الأسماك إنتاجية الفدان؟

من جانبه، قال الدكتور أحمد المزين، الخبير الزراعي، إن استزراع الأسماك داخل حقول الأرز يرفع إنتاجية الفدان بنسبة تتراوح بين 10 و12%، موضحًا أن الأسماك تتغذى على الحشرات والطحالب والديدان الضارة بالمحصول، كما تقضي على ظاهرة “الريم”، في حين تعمل فضلاتها كسماد عضوي طبيعي يحسن خصوبة التربة.

وأضاف، في تصريحات لـ”نيوز روم”، أن حركة الأسماك داخل الحقل تساعد على تهوية التربة والحد من انتشار الديدان الحمراء، بما ينعكس على جودة المحصول وإنتاجيته، فضلًا عن توفير دخل إضافي للمزارع من بيع الأسماك بنهاية الموسم.

وأوضح أن البلطي وحيد الجنس يعد من أفضل الأنواع المناسبة لهذا النظام، نظرًا لارتفاع معدلات نموه ومقاومته للأمراض وعدم تكاثره داخل الحقل، كما يمكن استزراع المبروك والبوري في البيئات المناسبة.

تحديات تحد من الانتشار

ورغم المزايا التي يوفرها النظام، أشار المزين إلى وجود عدد من التحديات، أبرزها تعرض الأسماك للافتراس من الطيور والحيوانات، وارتفاع درجات حرارة المياه الضحلة، إضافة إلى ضرورة إنشاء جسور وأخاديد تستقطع ما بين 5 و7% من مساحة الحقل.

وأضاف أن استخدام بعض المبيدات والأسمدة الكيميائية يصبح أكثر صعوبة خلال فترة الاستزراع، كما قد تتأثر بعض عمليات الميكنة الزراعية داخل الحقول.

ولفت إلى أن أصناف الأرز “جيزة 177” و”جيزة 178” و”سخا 101” و”سخا 102” تعد الأنسب لهذا النظام، لما تتمتع به من مقاومة لمرض اللفحة، فضلًا عن قدرتها على توفير ما بين 25 و30% من مياه الري مقارنة بالأصناف التقليدية، مع إنتاجية تتراوح بين 3.5 و4 أطنان للفدان.

مشروع للتوسع في التجربة

وفي السياق ذاته، كشف عبد الفتاح عبد العزيز، رئيس النقابة العامة للفلاحين، أن النقابة بدأت تنفيذ مشروع للاستزراع السمكي في حقول الأرز تحت رعاية وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق، وبالتنسيق مع جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية.

وأوضح، في تصريحات لـ”نيوز روم”، أن المرحلة الأولى تشمل أربع محافظات، بواقع قريتين في كل محافظة، و25 مزارعًا بكل قرية، حيث يحصل كل مزارع على ألف إصبعية من أسماك البلطي مجانًا لاستزراع فدان واحد.

وأضاف أن المشروع يأتي تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتوسع في نظم الزراعة التكاملية، خاصة في أراضي الدلتا، وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، مشيرًا إلى أن صغر الحيازات الزراعية كان دافعًا للبحث عن وسائل ترفع دخل المزارعين دون زيادة الأعباء عليهم.

وأكد أن التجربة ليست جديدة، إذ سبق تطبيقها منذ تسعينيات القرن الماضي وحققت نتائج جيدة، إلا أن المشروع الحالي يعتمد على أسس علمية حديثة، تحت إشراف فريق بحثي من وزارة الزراعة، وبمشاركة أجهزة الإرشاد الزراعي.

وأشار إلى أن اختيار أسماك البلطي جاء بعد دراسات فنية، نظرًا لسهولة تسويقها وإمكانية استهلاكها في مختلف مراحل نموها، موضحًا أن الإصبعيات الكبيرة تنتج ما بين 200 و250 كيلوغرامًا من الأسماك للفدان خلال دورة زراعة الأرز التي تستغرق من 100 إلى 120 يومًا.

وأضاف أن المشروع يوفر للمزارع عائدًا إضافيًا يقترب من 10 آلاف جنيه للفدان، على أساس متوسط سعر يبلغ نحو 50 جنيهًا للكيلوغرام، إلى جانب خفض استهلاك الأسمدة الكيماوية بنسبة تصل إلى 30%، وتحسين جودة مياه الري دون الحاجة إلى موارد مائية إضافية.

بين الفرص والتحديات

ويجمع الخبراء على أن الاستزراع السمكي داخل حقول الأرز يمثل أحد أبرز نماذج الزراعة التكاملية القادرة على تحقيق أكثر من هدف في وقت واحد، من خلال زيادة إنتاج الغذاء، وتحسين دخل المزارعين، وخفض تكاليف الإنتاج، والحفاظ على الموارد الطبيعية. ومع نجاح التجارب الجديدة وتوفير الدعم الفني والإرشادي للمزارعين، قد يصبح هذا النظام أحد الأدوات المهمة لتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق التنمية الزراعية المستدامة في مصر خلال السنوات المقبلة.

تم نسخ الرابط