عاجل


يوجد لدينا في مصر وزارة للإعلام ، ويوجد عدة هيئات ومجالس ونقابات مهنية متعددة ، فلدينا المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ، والهيئة الوطنية للإعلام ، والهيئة الوطنية للصحافة ، ونقابة الصحفيين ، ونقابة الإعلاميين ، وبالرغم من ذلك إذا سألت أحد المتابعين للحالة الإعلامية الراهنة فسيقول لك إنه غير راض عن المستوى الذي آلت إليه بعض المؤسسات الإعلامية التقليدية منها والرقمية . 
من هنا جاءت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لعقد مؤتمر سنوي يناقش الأوضاع الحالية للمؤسسات والهيئات الإعلامية في الثالث من ديسمبر من كل عام لتشير إلى أهمية الإعلام في بناء الدولة الحديثة ، وأنه لابد من وجود رؤية استراتيجية متكاملة لعمل المؤسسات والهيئات الإعلامية التي تتسق مع رؤية الدولة المصرية نحو بناء الإنسان والحفاظ على منظومة القيم الإيجابية في المجتمع وتعزيز الهوية والحفاظ على مقومات الأمن المجتمعي . 
وسأتناول في هذا المقال ثلاثة مقترحات محددة يمكن - إن تم الأخذ بها - أن تسهم في تصحيح المشهد الإعلامي ، والحفاظ على مقومات الريادة التي اتسم بها الإعلام المصري لعدة عقود : 
أولا: ضرورة تطوير المحتوى الإعلامي في المؤسسات الإعلامية ، بما يقدم المعرفة الحقيقة للمواطن ، ويقدم الرأي والرأي الآخر ، وهو الأمر الذي أكد عليه السيد الرئيس في خطابه ، لأن المحتوى الجيد هو وحده الكفيل بتعزيز المصداقية لدى الجمهور ، وبالتالي فإن كل الوجوه التي تقدم محتوى نمطيا أحادي الاتجاه ينبغي أن يختفوا من المشهد ، لأن بعضهم كان سبب تآكل رصيد الثقة والمصداقية لدى الجمهور ، وضرورة تأهيل جيل جديد قادر على تقديم محتوى إعلامي متطور بما يتناسب مع التطورات التقنية ، وفي نفس الوقت يحافظ على الهوية الوطنية ومنظومة القيم المستقرة لدى المجتمع المصري . 
ثانيا : إعادة هيكلة بعض المؤسسات الإعلامية ، وتحولها إلى نموذج ( الإعلام التكاملي ) فلا يمكن في هذا العصر القبول بفكرة أن تكون المؤسسة الإعلامية تقدم نمطا واحا من الخدمات الإعلامية ، فلابد أن تتحول المؤسسات الصحفية التقليدية لمؤسسات إنتاج إعلامي متعدد الوسائط ، ويكون لها منصات رقمية ، وتقوم على إنتاج محتوى نصي ومرئي وبودكاست قادر على تقديم الخدمات الإعلامية والتحليلات الدقيقة وتقديم التفسيرات المختلفة للأخبار على مدار الساعة ، وكذلك الأمر بالنسبة للمحطات الإذاعية والتليفزيونية ، لأن مسألة التحول إلى الإعلام التكاملي لم يعد خيارا أمام تلك المؤسسات لتكون قادرة على إنتاج المحتوى الجيد وإتاحته للجماهير الممتدة عبر الفضاءات التقليدية والرقمية ، ويتطلب هذا الأمر أن تتضافر جهود المؤسسات الأكاديمية والتدريبية لتقديم التدريب الملائم للإعلاميين والصحفيين في تلك المؤسسات في إطار خطة متكاملة تضمن تحولا رقميا في كل مراحل العمل الإعلامي وتوظف التقنيات الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تطوير الأداء الإعلامي  . 
ثالثا : ضرورة تطوير البيئة التشريعية والقانونية المنظمة للعمل الإعلامي ، وينبغي أن يستهدف التطوير التشريعي تحقيق التوازن بين ضمان حرية الرأي والتعبير وحرية تداول المعلومات من جهة، وحماية الأمن القومي والمجتمع من حملات التضليل الإعلامي وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة من جهة أخرى، بما يعزز ثقة الجمهور في وسائل الإعلام ويرسخ مبادئ المهنية والمسؤولية، بالإضافة إلى مراجعة التشريعات الحالية المنظمة للعمل الإعلامي وتكييفها للظروف الراهنة . 
إن الإعلام المصري يمتلك تاريخا عريقا ورصيدا كبيرا من الخبرات والكفاءات، وهو قادر على استعادة مكانته وريادته إذا توافرت الإرادة المؤسسية، وتبنت الدولة والمجتمع الإعلامي مشروعا وطنيا للتطوير يقوم على الابتكار، والانفتاح على التجارب الدولية، والاستثمار في الإنسان والتقنية، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية والهوية الثقافية ،  فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو شريك في بناء الوعي، وداعم لمسيرة التنمية، وإحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدولة ،  ومن هنا، فإن الاستثمار في تطوير الإعلام هو استثمار في مستقبل الوطن، وفي قدرته على صناعة الوعي، وصون الهوية، وتعزيز حضوره وتأثيره في محيطه الإقليمي والدولي.

تم نسخ الرابط