هناك سؤال لا يشيخ، يرافق الإنسان منذ أن بدأ يتأمل السماء ويبحث عن مكانه بين النجوم: ماذا أريد من نفسي؟ إنه سؤال لا تجيب عنه الشهادات، ولا تحسمه المناصب، ولا يملأ فراغه المال. إنه سؤال يتجدد كلما تقدم العمر، وكلما ازدادت التجارب، وكلما وقف الإنسان أمام مرآة ذاته ليحاسبها.
يولد الإنسان ضعيفًا، ثم يبدأ رحلة طويلة يطارد فيها أحلامًا تتغير مع الزمن. في طفولته يحلم بالنمو، وفي شبابه يحلم بالنجاح، وفي منتصف العمر يبحث عن الاستقرار، وفي شيخوخته يبحث عن السكينة. وبين كل مرحلة وأخرى، يكتشف أن الحياة لا تمنح أحدًا كل ما يريد، لكنها تمنح كل إنسان فرصة ليعرف نفسه على حقيقتها.
وما بين الميلاد والرحيل، يخوض الإنسان معارك لا تُحصى. بعضها مع الفقر وضيق العيش، وبعضها مع المرض الذي يذكّره بهشاشة الجسد، وبعضها مع الفشل الذي يختبر قوة الإرادة، وبعضها مع فقد الأحبة الذي يترك في القلب فراغًا لا يملؤه شيء. وهناك معارك أشد قسوة، لا يراها أحد، تدور في أعماق النفس بين الخوف والرجاء، وبين اليأس والأمل، وبين الاستسلام والمقاومة.
وفي عصرنا الحديث، لم تعد التحديات تقتصر على لقمة العيش أو تأمين المستقبل، بل ظهرت تحديات جديدة؛ فالتكنولوجيا قرّبت المسافات، لكنها أبعدت كثيرًا من القلوب. ووسائل التواصل جعلت الإنسان يرى نجاحات الآخرين كل لحظة، حتى أصبح يقيس حياته بما يراه على الشاشات، لا بما يعيشه في الواقع. وهكذا دخل كثيرون سباقًا لا نهاية له، يلهثون وراء صورة مثالية للحياة، بينما تغيب عنهم حقيقة أن لكل إنسان أعباءه وأوجاعه التي لا تظهر في الصور.
ومع ذلك، يظل الإنسان كائنًا لا يتوقف عن الحلم. ففي داخله قوة تدفعه إلى الوقوف بعد كل سقوط، وإلى بناء الأمل فوق أنقاض الخيبة. وربما كانت هذه القدرة على النهوض هي أعظم ما يميز الإنسان؛ فهو يتعلم من الفشل أكثر مما يتعلم من النجاح، ويخرج من المحن أكثر نضجًا مما كان قبلها.
إن ما يريده الإنسان من نفسه، في جوهر الأمر، ليس أن يكون الأغنى أو الأشهر، بل أن يشعر بأن حياته ذات قيمة. يريد أن يحترم نفسه قبل أن يحترمه الناس، وأن يترك أثرًا قبل أن يترك ثروة، وأن يكون وجوده سببًا في خيرٍ امتد إلى غيره. فالإنسان الذي يزرع علمًا، أو يخفف ألمًا، أو يمنح أملًا، قد حقق من النجاح ما لا تمنحه الألقاب ولا تشتريه الأموال.
لقد علّمتنا الحياة أن الطريق ليس مستقيمًا، وأن الرياح لا تأتي دائمًا بما تشتهي السفن، لكن السفن لم تُصنع لتبقى راسية في الموانئ، وإنما لتقاوم الأمواج وتشق طريقها نحو الأفق. وكذلك الإنسان؛ لا تُقاس عظمته بعدد انتصاراته، بل بقدرته على مواصلة السير كلما اعترضته العواصف.
ويبقى السؤال: ماذا يريد الإنسان من نفسه؟ ولعل الإجابة الأصدق هي أنه يريد أن يعيش حياةً تليق بإنسانيته؛ حياةً يملؤها العمل الشريف، والعلم النافع، والضمير الحي، والمحبة الصادقة. وعندما يصل إلى نهاية رحلته، لا يتمنى أن يكون قد جمع أكثر من غيره، بل أن يكون قد أعطى أكثر، وأحب أكثر، وترك في الدنيا أثرًا يبقى بعد غيابه.
فالإنسان في النهاية ليس بما يملك، بل بما يكون، وليس بما يأخذ من الحياة، بل بما يمنحها. وتلك هي الرحلة التي تستحق أن تُعاش