عاجل

من اللد إلى غزة.. لماذا ستستمر حروب إسرائيل حتى إذا رحل نتنياهو؟

نتنياهو
نتنياهو

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ويُعاد طرح السؤال حول ما إذا كان وصول معسكر سياسي جديد إلى السلطة قد يغير مسار الصراع، يعيد باحثون ومؤرخون قراءة التاريخ الإسرائيلي من زاوية مختلفة، زاوية ترى أن التنافس بين اليمين واليسار في إسرائيل لم يكن يوما خلافا على جوهر القضية الفلسطينية، بقدر ما كان خلافا على أساليب إدارة المشروع الصهيوني، فيما بقيت القضايا الأساسية المتعلقة بالأرض واللاجئين والاستيطان والسيادة الفلسطينية خارج دائرة التغيير الحقيقي.

مناطق الإنكار في إسرائيل | مجلة نيويوركر

وتكتسب هذه القراءة زخما مع حلول ذكرى سقوط مدينة اللد في يوليو 1948، وهي المحطة التي تعد واحدة من أكثر أحداث النكبة دلالة، إذ يرى كثير من الباحثين أنها تكشف طبيعة المشروع الصهيوني منذ تأسيسه، وتوضح أن عمليات التهجير لم تكن مرتبطة بتيار سياسي بعينه، وإنما كانت جزءا من سياسة تبنتها القيادات المؤسسة للدولة الإسرائيلية.

اللد.. بداية واحدة من أكبر عمليات التهجير

في ظهيرة 11 يوليو 1948، كانت مدينة اللد، الواقعة بين يافا والرملة، تعيش أوضاعا استثنائية بعدما تحولت إلى ملاذ لآلاف الفلسطينيين الذين نزحوا من القرى المجاورة إثر الهجمات الصهيونية، لتصبح المدينة مكتظة بالسكان واللاجئين في وقت كانت القوات الصهيونية تطبق الحصار عليها ضمن ما عُرف لاحقا بـ"عملية داني".

وجاءت العملية في إطار خطة هدفت إلى السيطرة على اللد والرملة واللطرون وتأمين الطريق بين تل أبيب والقدس، نظرا لما تمثله المنطقة من أهمية إستراتيجية باعتبارها عقدة للمواصلات، وتضم مطارا ومحطة قطارات وموقعا جغرافيا محوريا في وسط فلسطين.

ومع بدء الهجوم، تقدمت قوة مدرعة بقيادة الضابط الإسرائيلي آنذاك موشيه ديان داخل المدينة، بينما واجه السكان مقاومة محدودة في ظل غياب الدعم العسكري وانقطاع خطوط الإمداد، قبل أن تتمكن القوات الصهيونية من فرض سيطرتها الكاملة على اللد في اليوم التالي.

مجزرة ومسيرة تهجير

بعد السيطرة على المدينة، فرضت القوات الصهيونية حظر تجول، وجمعت الرجال في المسجد الكبير ومسجد دهمش وعدد من الكنائس، فيما نفذت عمليات تفتيش واسعة للمنازل.

وتشير شهادات ناجين ومراجع تاريخية إلى أن مئات الفلسطينيين احتموا بمسجد دهمش، إلا أن المنطقة شهدت عمليات إطلاق نار أسفرت عن مقتل العشرات، في حين سقط مئات آخرون في شوارع المدينة خلال الساعات التالية.

وتُعد تلك الأحداث مقدمة لإحدى أكبر عمليات التهجير القسري خلال حرب 1948، إذ يورد المؤرخ الإسرائيلي بني موريس أن قائد "البلماح" إيغال ألون استفسر من ديفيد بن غوريون بشأن مصير سكان اللد والرملة، ليأتي الرد المختصر: "اطردوهم".

وبعدها، وقع إسحاق رابين، الذي كان يشغل منصب مدير العمليات في "عملية داني"، أمرا عسكريا يقضي بطرد سكان المدينة بسرعة.

وخرج عشرات الآلاف من الفلسطينيين من اللد والرملة تحت حرارة الصيف القاسية، متجهين نحو رام الله والضفة الغربية، بينما تحدثت شهادات تاريخية عن سقوط عدد كبير من الأطفال والنساء وكبار السن نتيجة العطش والإرهاق، فضلا عن تعرض كثيرين لنهب أموالهم ومقتنياتهم أثناء الطريق.

من رابين إلى أوسلو

بعد نحو 45 عاما، عاد اسم إسحاق رابين إلى الواجهة بصورة مختلفة، حين وقف عام 1993 على منصة البيت الأبيض مصافحا الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عقب توقيع اتفاق أوسلو، ليُقدم في الغرب باعتباره "رجل السلام"، قبل أن يحصل على جائزة نوبل للسلام إلى جانب عرفات وشيمون بيريز.

إلا أن القراءة التي يطرحها عدد من الباحثين ترى أن التحول في صورة رابين لم يغيّر من الأسس التي قامت عليها الدولة الإسرائيلية، إذ بقيت ملفات اللاجئين والقدس والحدود والسيادة وحق العودة خارج الحل النهائي، بينما استمرت الوقائع الميدانية في تكريس السيطرة الإسرائيلية.

رسالة بن جوريون.. التقسيم مرحلة لا نهاية

وتعود جذور هذه الرؤية إلى ما قبل قيام إسرائيل بسنوات، ففي أعقاب توصية لجنة بيل البريطانية عام 1937 بتقسيم فلسطين، كتب ديفيد بن جوريون رسالة إلى ابنه عاموس أكد فيها أن إقامة دولة يهودية على جزء من فلسطين ليست نهاية المشروع، وإنما بداية تسمح بتوسيع السيطرة مستقبلا.

ويرى باحثون أن هذه الرسالة تعكس رؤية إستراتيجية اعتبرت قبول التقسيم خطوة مرحلية في طريق السيطرة على مساحة أكبر، وليس تسوية نهائية مع الفلسطينيين.

اليسار الصهيوني وبناء الدولة

ويشير مؤرخون إلى أن الصورة التي رُسمت لليسار الصهيوني باعتباره تيارا معتدلا تخفي حقيقة أنه كان القوة التي أدارت المشروع الاستيطاني منذ بداياته.

فقد قاد حزب "ماباي"، الذي أسسه بن جوريون، المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية للحركة الصهيونية، فيما لعب اتحاد العمال "الهستدروت" دورا محوريا في بناء اقتصاد يهودي منفصل، من خلال سياسة "العمل العبري" التي هدفت إلى استبعاد العمال الفلسطينيين من المؤسسات اليهودية.

كما أسهمت الكيبوتسات والصندوق القومي اليهودي في توسيع الاستيطان والسيطرة على الأراضي، بينما وفرت التنظيمات العسكرية الحماية لهذه العملية.

"ملفات القرى".. التخطيط قبل الحرب

ومنذ مطلع أربعينيات القرن الماضي، أعدت الوكالة اليهودية مشروع "ملفات القرى"، وهو قاعدة معلومات استخباراتية شملت تفاصيل دقيقة عن القرى الفلسطينية، بينها الخرائط، ومصادر المياه، والأراضي الزراعية، والعائلات، والقيادات المحلية، والأنشطة السياسية.

ويرى مؤرخون أن هذه المعلومات استُخدمت لاحقا في عمليات السيطرة والاعتقال والطرد خلال حرب 1948، بما يعكس أن التهجير لم يكن نتيجة ظروف الحرب فقط، وإنما سبقته سنوات من التخطيط.

خطة دالت والنكبة

وفي مارس 1948، وُضعت "خطة دالت"، التي تضمنت تعليمات للسيطرة على القرى العربية وتدمير بعضها وطرد السكان من المناطق المخصصة للدولة اليهودية.

ومع تنفيذ الخطة، هُجر مئات آلاف الفلسطينيين، ودُمرت مئات القرى، لتنشأ قضية اللاجئين باعتبارها إحدى أبرز نتائج حرب 1948.

من الحرب إلى القانون

وبعد إعلان قيام إسرائيل، انتقلت السيطرة من العمليات العسكرية إلى التشريعات، ففي عام 1950، صدر قانون "أملاك الغائبين"، الذي أتاح نقل ملكية أراضي اللاجئين والمهجرين، بل وحتى الفلسطينيين الذين بقوا داخل إسرائيل لكن غادروا قراهم أثناء الحرب، إلى "حارس أملاك الغائبين"، قبل أن تنتقل لاحقا إلى مؤسسات الدولة.

كما خضع الفلسطينيون الذين بقوا داخل إسرائيل للحكم العسكري بين عامي 1948 و1966، رغم حصولهم على الجنسية الإسرائيلية، مع فرض قيود واسعة على الحركة والعمل والحقوق المدنية.

كفر قاسم واستكمال منظومة السيطرة

وفي عام 1956، وقعت مجزرة كفر قاسم، عندما قُتل 49 فلسطينيا بعد فرض حظر تجول لم يكن كثير منهم على علم به أثناء عودتهم من أعمالهم.

ويرى باحثون أن تلك الحادثة عكست اكتمال منظومة السيطرة على الفلسطينيين قبل وصول اليمين إلى الحكم، إذ كانت مؤسسات الدولة الأمنية والقانونية قد ترسخت بالفعل في عهد الحكومات التي قادها حزب العمل.

اليمين.. من الجدار الحديدي إلى الاستيطان

في المقابل، استند اليمين الصهيوني إلى أفكار زئيف جابوتنسكي، الذي طرح عام 1923 نظرية "الجدار الحديدي"، ومفادها أن الفلسطينيين لن يقبلوا المشروع الصهيوني طوعا، وأن فرضه يتطلب قوة تحول دون قدرتهم على مقاومته.

ومن هذه المدرسة خرجت حركة "بيتار" ومنظمة "الإرغون" بقيادة مناحيم بيجن، التي ارتبط اسمها بعمليات مسلحة أبرزها تفجير فندق الملك داود والمشاركة في مذبحة دير ياسين عام 1948.

ورغم هذا التاريخ، أصبح بيجن لاحقا رئيسا للحكومة، ووقّع اتفاق السلام مع مصر، ونال جائزة نوبل للسلام.

من الليكود إلى نتنياهو

ومع وصول الليكود إلى السلطة عام 1977، لم يبدأ اليمين سياسة جديدة تجاه الفلسطينيين بقدر ما ورث منظومة قائمة، لكنه منحها خطابا أكثر وضوحا يقوم على توسيع الاستيطان، ورفض الانسحاب من الضفة الغربية، والتأكيد على مفهوم "أرض إسرائيل".

وتواصل هذا المسار في عهد إسحاق شامير وأرييل شارون، قبل أن يبلغ مرحلة أكثر تشددا خلال حكومات بنيامين نتنياهو، التي اعتمدت على توسيع الاستيطان، وإضعاف فرص قيام دولة فلسطينية، وتعزيز السيطرة الأمنية.

كما برزت خلال السنوات الأخيرة شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذين تبنيا خطابا أكثر صراحة في الدعوة إلى توسيع الاستيطان وتشديد الإجراءات ضد الفلسطينيين.

انتخابات تدور حول إدارة الحرب

وفي ظل الحرب المستمرة على غزة منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، يرى مراقبون أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لا تتمحور حول إنهاء الصراع، وإنما حول إدارة الحرب واستعادة صورة المؤسسة الأمنية بعد الإخفاقات التي تعرضت لها.

وتتنافس شخصيات مثل بنيامين نتنياهو ويائير لابيد ونفتالي بينيت وغادي آيزنكوت على تقديم تصورات مختلفة لإدارة الملف الأمني، بينما يبقى الموقف من الحقوق الفلسطينية متقاربا في القضايا الجوهرية، مثل الدولة الفلسطينية وحق العودة والقدس والاستيطان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الخلاف بين اليمين واليسار الإسرائيليين يتعلق بدرجة التشدد أو بأساليب إدارة الصراع، أكثر من كونه خلافا على الأسس التي قام عليها المشروع الصهيوني منذ بداياته، وهو ما يجعل ذكرى اللد، بعد مرور أكثر من سبعة عقود، حاضرة في النقاش حول حاضر السياسة الإسرائيلية ومستقبلها.

تم نسخ الرابط