عاجل

السكر الرخيص يربك السوق.. هل تتحول مكاسب المستهلك لأزمة تهدد الصناعة المحلية؟

أسعار السكر الأبيض
أسعار السكر الأبيض

أثار تراجع أسعار طن السكر الأبيض في السوق المحلية بنحو 18% خلال يوليو الجاري، من نحو 27 ألف جنيه إلى قرابة 22 ألف جنيه، مخاوف منتجي السكر المحلي، رغم ما يمثله الانخفاض من مكسب للمستهلك.

وبينما تعزو الحكومة هذا التراجع إلى وفرة المعروض وزيادة الإنتاج، ترى شركات السكر أن المنافسة مع السكر المستورد منخفض التكلفة باتت تضغط على الصناعة المحلية، محذرة من تداعيات قد تمتد إلى المصانع ومزارعي بنجر السكر إذا استمرت الأسعار الحالية.

وفرة المعروض وزيادة الإنتاج وراء تراجع الأسعار

وقال مصدر مسؤول بوزارة التموين والتجارة الداخلية، في تصريحات خاصة لـ«نيوز رووم»، إن الوزارة تتابع بصورة يومية حركة تداول السكر في الأسواق، سواء من الإنتاج المحلي أو الكميات المستوردة، لضمان توافر السلعة ومنع أي ممارسات احتكارية أو نقص في المعروض.


وأضاف أن انخفاض الأسعار يعود إلى زيادة المعروض بالسوق، نتيجة ارتفاع الإنتاج المحلي وتوافر كميات مستوردة جرى التعاقد عليها لتلبية احتياجات السوق، مؤكدا أن الوزارة تحرص على تحقيق التوازن بين حماية المستهلك والحفاظ على استدامة الصناعة الوطنية.

وأوضح أن الوزارة تواصل التنسيق مع الشركات المنتجة والموردين لرصد أي تطورات قد تؤثر على استقرار السوق، لافتا إلى أن المخزون الاستراتيجي من السكر آمن ويكفي لعدة أشهر.

وكانت وزارة التموين قد أكدت في أكثر من مناسبة أن احتياطي السكر الاستراتيجي يغطي احتياجات البلاد لنحو 6 أشهر، في إطار خطة تستهدف الحفاظ على استقرار الأسواق وضمان توافر السلع الأساسية.

السكر المستورد يضغط على المنتج المحلي

في المقابل، يرى مصطفى عبد الجواد، رئيس مجلس المحاصيل السكرية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، أن السبب الرئيسي لتراجع الأسعار لا يرتبط فقط بزيادة الإنتاج، وإنما بتدفق كميات كبيرة من السكر المستورد منخفض التكلفة إلى السوق المحلية.

وقال عبد الجواد، في تصريحات لـ«نيوز رووم»، إن تكلفة استيراد طن السكر تبلغ نحو 20 ألف جنيه، مقابل نحو 26 ألف جنيه تكلفة إنتاج الطن بالمصانع المحلية، وهو ما يجعل المنتج المحلي غير قادر على المنافسة في ظل الأسعار الحالية.

وأضاف أن دخول كميات كبيرة من السكر المستورد، إلى جانب وجود كميات من السكر -بحسب قوله- دخلت السوق بطرق غير رسمية، أدى إلى تراجع مبيعات الشركات المحلية، ما دفع بعضها إلى وقف البيع والتوريد انتظارا لتحسن الأسعار.


وأكد أن الأزمة انعكست على المصانع التي تعاني من تكدس الإنتاج داخل المخازن، ووصل الأمر إلى تخزين كميات في ساحات بعض المصانع بعد امتلاء المخازن، كما تسببت الضغوط المالية في تأخير صرف مستحقات بعض مزارعي بنجر السكر، رغم أن المعتاد صرفها خلال أسبوعين من التوريد.
وبحسب بيانات متداولة، بلغت قيمة توريدات بنجر السكر إلى وزارة التموين نحو 1.4 مليار جنيه، مقابل استلام ما يقرب من 714 ألف طن منذ منتصف أبريل الماضي وحتى مطلع يوليو الجاري.

هل يجري الالتفاف على قيود الاستيراد؟

ورغم استمرار العمل بقرار وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية بحظر استيراد السكر الأبيض المكرر بغرض الاتجار، دعما للصناعة المحلية وتنظيما للسوق، يرى حسن الفندي، رئيس شعبة السكر باتحاد الصناعات المصرية، أن بعض المستوردين وجدوا آليات للالتفاف على القرار.
وأوضح، في تصريحات لـ«نيوز رووم»، أن بعض الشركات تستورد السكر الخام ثم تعيد تكريره داخل مصر، بما يسمح بطرحه في الأسواق بأسعار أقل من المنتج المحلي.

وأشار إلى أن السعر العادل لطن السكر لا يقل عن 26 ألف جنيه، في حين تؤدي الأسعار الحالية إلى تكبد المصانع خسائر مباشرة، خاصة مع تراجع الأسعار العالمية إلى ما بين 450 و480 دولارا للطن، وهو ما يمنح السكر المستورد ميزة تنافسية أكبر.

وأضاف أن انخفاض الطلب المحلي خلال الفترة الماضية زاد من الضغوط على الشركات، وقد يدفع بعضها إلى البيع بأقل من تكلفة الإنتاج لتوفير السيولة اللازمة للوفاء بالتزاماتها تجاه البنوك والعاملين.

ولم يتسن لـ«نيوز رووم» الحصول على تعليق من وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية بشأن ما أثير حول وجود آليات للالتفاف على قرار حظر الاستيراد، حتى موعد النشر.

البيع بأقل من التكلفة يهدد استمرارية الإنتاج

وأكد مسؤول بإحدى شركات السكر المحلية، في تصريحات خاصة لـ«نيوز رووم»، أن استمرار الأسعار الحالية يضع المصانع أمام تحديات مالية متزايدة، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل.

وقال إن تكلفة إنتاج طن السكر تدور حول 26 ألف جنيه، بينما يتم تداوله في السوق بنحو 22 ألف جنيه، ما يعني البيع بخسائر مباشرة.
وأضاف أن بعض الشركات اضطرت إلى وقف التوريد أو تأجيل البيع مؤقتا لحين استقرار السوق، مع تكدس الإنتاج وصعوبة تصريفه بالأسعار الحالية، محذرا من أن استمرار هذا الوضع قد يؤثر على قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها تجاه المزارعين والعاملين والبنوك.
وشدد على أن الشركات لا تستهدف تقليل المعروض، وإنما تسعى إلى الحفاظ على استمرارية الإنتاج، مطالبا بإجراءات تحقق المنافسة العادلة بين المنتج المحلي والسكر المستورد.

خبير اقتصادي: المطلوب تحقيق التوازن

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن انخفاض أسعار السكر يمثل مكسبا للمستهلك على المدى القصير، لكنه قد يتحول إلى أزمة إذا استمرت المصانع في البيع بأقل من تكلفة الإنتاج.

وقال عبده، في تصريحات لـ«نيوز رووم»، إن أي صناعة لا يمكنها الاستمرار في تحمل الخسائر لفترات طويلة، موضحا أن استمرار الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع قد يدفع بعض الشركات إلى خفض الإنتاج أو تأجيل التوسعات، وهو ما قد ينعكس لاحقا على حجم المعروض والأسعار.
وأضاف أن تحقيق التوازن بين حماية المستهلك والحفاظ على تنافسية الصناعة المحلية يتطلب إدارة مرنة لملف الاستيراد، بما يمنع الإضرار بالمصانع الوطنية، وفي الوقت نفسه يضمن استمرار توافر السكر بأسعار عادلة.


ووفقا لبيانات حكومية، يبلغ إنتاج مصر السنوي من السكر نحو 3 ملايين طن، بينما يتجاوز الاستهلاك المحلي 3.4 مليون طن، ما يفرض استمرار الاعتماد على الواردات لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. كما تؤكد الحكومة استمرار الحفاظ على مخزون استراتيجي آمن من السكر لتلبية احتياجات السوق المحلية.

وفي ظل تباين التفسيرات بين الحكومة ومنتجي السكر بشأن أسباب تراجع الأسعار، تبقى السوق أمام اختبار دقيق لتحقيق التوازن بين الحفاظ على الأسعار المناسبة للمستهلك وضمان استدامة الصناعة المحلية، خاصة إذا استمرت الضغوط التي تواجهها المصانع في ظل انخفاض الأسعار وزيادة المنافسة مع الواردات، بما يحول دون تحول مكاسب المستهلك الحالية إلى تحديات قد تطال أحد أهم القطاعات الغذائية الاستراتيجية في مصر.

تم نسخ الرابط