خطيب الأزهر: الصبر قوة تضبط النفس وتحفظ الإنسان من اليأس والغرور
ألقى خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر الدكتور إبراهيم الهدهد، أستاذ البلاغة والنقد ورئيس جامعة الأزهر الأسبق، ودار موضوعها حول تفسير قوله تعالى: "فصبر جميل". ومن خلال رؤية فكرية وتربوية عميقة سلط الضوء حول مفهوم "الصبر".
مفهوم الصبر
وأوضح أن هذه الآية ترسخ لمفهوم الصبر باعتباره منهج حياة متكامل يمثل نصف الإيمان، ومحركا لضبط النفس البشرية في مواجهة أهوائها، أما اختصار مفهوم الصبر في مواجهة المصائب والابتلاءات هو قصور في الفهم.
فالصبر في حقيقته الشرعية هو "حبس النفس عن الشهوات"، لذلك خص المولى سبحانه وتعالى الإنسان بفضيلة الصبر دون غيره من المخلوقات؛ فالبهائم مسيرة بداعي الشهوة فقط، والملائكة مجبولة على الطاعة، بينما الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يعيش في "جهاد دائم" بين داعي الدين وداعي الهوى، ومن هنا تبرز الحاجة الماسة للصبر كأداة للتحكم في هذه الصراعات الداخلية.
وأكد أن الإيمان يقوم على ركنين عظيمين هما الصبر والشكر، لذلك يقول أهل العلم: "الإيمان شطران: الصبر والشكر"، لذلك فالصبر مطلوب في جميع مراحل العمل.
مقاومة الكسل والتراخي
فهو يكون قبل العمل بمقاومة الكسل والتراخي، ويلازم الإنسان أثناء العمل بمدافعة الرياء والوسوسة، ويستمر بعده بصيانة العبادة من المن والأذى، وذلك لأن داعي الشهوة لا يفارق الإنسان، بل قد يشتد حتى في أوقات المحن والشدائد، محاولا أن يدفعه إلى سوء الظن بالله.
وهنا تتجلى قيمة الصبر الذي يثبت المؤمن على طريق الحق. قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، وهو ما يعني أن الصبر هو الوقود الذي يعين الإنسان على تجاوز عقبات الحياة، ويقوده إلى رضا الله والفوز في الدنيا والآخرة.
وشدد الدكتور إبراهيم الهدهد، على أن الشكر لا ينفصل عن الصبر، فالإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة قد تدفعه نفسه إلى نسبة الفضل لقدراته وجهده، وهنا يأتي الصبر ليكبح الغرور، ويعينه على رد الفضل إلى الله سبحانه وتعالى، فالصبر يحفظ الإنسان من الطغيان عند النعمة، كما يحفظه من اليأس عند البلاء.
التدبر منهجا دائما في حياة المسلم
وأوصى خطيب الأزهر بضرورة أن يكون التدبر منهجا دائما في حياة المسلم؛ فيستعد قبل الشدة بالإيمان واليقين، ويواجهها بالصبر والاحتساب وترك التسخط، ويستقبل ما بعدها بالشكر والاعتراف بفضل الله، كما يصبر في أوقات النعم على أداء شكرها، ويحذر من نسبتها إلى نفسه أو الوقوع في الكبر.
وأكد أن هذا المنهج يجعل الصبر أسلوب حياة وقوة دافعة تضبط النفس وتسمو بها، فيصبح الإنسان قائدًا لشهواته لا أسيرًا لها، وينال بذلك الفلاح في الدنيا والآخرة.