عاجل

في عالم تتلاطمه الأزمات الاقتصادية وتضطرب فيه سلاسل الإمداد العالمية لم يعد "الأمن الغذائي" مجرد مصطلح اقتصادي بل تحول إلى الركيزة الأساسية لـ "الأمن القومي" والسيادة الوطنية.. ومن هذا المنطلق الاستراتيجي جاء تأسيس "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة" كواحد من أهم الكيانات المؤسسية لينقل مسار الدولة من مجرد استصلاح الأراضي إلى بناء منظومة تنموية متكاملة تضمن بقاء واستقرار الأجيال القادمة.

إن هذا الكيان ليس مجرد إدارة حكومية تقليدية بل هو "عقل مدبر" و"ذراع تنفيذي" يدير أكبر مشروع زراعي وصناعي متكامل في تاريخ مصر الحديث (الدلتا الجديدة ومستقبل مصر)، ويحمل على عاتقه مهمة إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والاقتصادية للبلاد.

وجاء قرار تحويل "مشروع مستقبل مصر" إلى "جهاز سيادي للتنمية المستدامة" ليعكس إدراك القيادة السياسية لضرورة "مؤسسية" هذا العمل الضخم.. فالأمر تخطى فكرة استزراع مساحات من الصحراء الغربية ليصبح إدارة شاملة لموارد الدولة من (أرض ومياه وطاقة وكوادر بشرية) وفق أسس علمية واقتصادية تضمن الاستدامة.

ولم يكن الأمر عشوائيا بالمرة فالأهداف الاستراتيجية الكبرى للجهاز كانت هدفا واضحا ومحددا يتمثل في تحقيق الاكتفاء الذاتي و تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في المحاصيل الاستراتيجية.. بالإضافة إلى تعظيم العائد الاقتصادي للموارد من خلال عدم الاكتفاء بالزراعة فقط بل ربطها بالتصنيع وسلاسل الإمداد.. إلى جانب ذلك فهناك رؤية جديدة لإعادة توزيع السكان وخلق مجتمعات عمرانية وتنموية جديدة تخرج بمصر من الوادي الضيق إلى رحابة الصحراء الغربية والمحاور التنموية الجديدة.

ويقوم جهاز "مستقبل مصر" للتنمية المستدامة على عدة ركائز ومحاور تجعله نموذجاً فريداً للتنمية المدمجة أولها  التوسع الزراعي (الأفقي والرأسي) حيث يدير الجهاز استصلاح ملايين الأفدنة في مشروع "الدلتا الجديدة" وهو ما يضيف نحو 15% إلى 20% من إجمالي الرقعة الزراعية التاريخية لمصر.

ولا يعتمد الجهاز على الزراعة التقليدية بل يطبق أحدث نظم "الري المحوري" (البيفوت) واستخدام التكنولوجيا الزراعية والذكاء الاصطناعي لمراقبة جودة التربة مما يعظم من إنتاجية الفدان (التوسع الرأسي).

أما رؤية التصنيع الزراعي والقيمة المضافة وإنشاء المجمعات الصناعية فقد كانت تلك هي النقلة الحضارية والاقتصادية المستهدفة .. فالجهاز يتبنى عقيدة "القيمة المضافة".. فالمحاصيل لا تُباع خاماً فقط بل يتم توجيهها إلى مجمعات صوامع عملاقة لتخزين الغلال الاستراتيجية.. ومصانع لاستخلاص الزيوت ومصانع لإنتاج السكر ومحطات لفرز وتعبئة الموالح والخضروات للتصدير .. وهذا الربط بين الحقل والمصنع يقلل من الهدر  ويزيد من العوائد المالية والقدرة التصديرية.

وفي ملف المياه يمثل الجهاز نموذجاً عالمياً في كيفية تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه من خلال الاعتماد على المياه المعالجة ثلاثياً (مثل محطة معالجة مياه الصرف الزراعي بالحمام وهي الأكبر عالمياً) والتي تنقل المياه عبر "نهر صناعي" يشق الصحراء عن طريق الاستخدام الرشيد للمياه الجوفية وفق دراسات دقيقة تضمن عدم استنزاف الخزان الجوفي للأجيال القادمة.

وبالطبع لم يتم إغفال العوائد الاقتصادية والاجتماعية فكان التوجه إن يصب عمل "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة" مباشرة في شرايين الاقتصاد القومي من خلال عدة مسارات أهمها توفير العملة الصعبة .. فكل طن قمح أو ذرة أو زيت يتم إنتاجه محلياً يوفر مقابله بالدولار كان سيدفع في فاتورة الاستيراد مما يخفف الضغط على الاحتياطي النقدي الأجنبي .. بالإضافة إلى كبح التضخم عن طريق زيادة المعروض المحلي من السلع الأساسية والخضروات بما يساهم بشكل مباشر في ضبط إيقاع الأسعار في الأسواق المحلية ومنع الاحتكار.. إلى جانب توفير مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة (للمهندسين و الفنيين و العمال و السائقين والإداريين....) مما يتيح فرص عمل لآلاف الشباب الباحثين عن عمل حقيقي ومستدام.

وبالإضافة إلى العوائد الاقتصادية يمثل انتشار هذا المشروع القومي الضخم على امتداد محور الضبعة والصحراء الغربية تأميناً استراتيجياً للعمق الغربي لمصر..فتحويل هذه المساحات الشاسعة من صحراء قاحلة إلى مجتمعات تنموية وعمرانية يعزز من السيطرة الديموغرافية والأمنية للدولة.. ويحبط أي محاولات لاستغلال الفراغ الصحراوي لتتكامل جهود التنمية مع جهود القوات المسلحة في حماية مقدرات الوطن .. 

ولأهمية الأمر بالنسبة للأمن الاقتصادي والقومي فقد كان من الضرورة بمكان تحصين الجهاز بموافقة برلمانية قانونية من مجلس النواب على مشروع القانون المقدم من الحكومة بإصدار قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بما سيكون له أثر في دعم دور الجهاز وتقديم أقصى مايمكن للدولة

هذه الموافقة من لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب نهائياً على المشروع كانت الخطوة الأهم التي ستغير قواعد اللعبة إذ تمنح الجهاز "الغطاء القانوني والصلاحيات السيادية" اللازمة للانطلاق بأقصى سرعة وطاقة ممكنة لخدمة الدولة.

هذا الدعم البرلماني أعطى للمشروع  مرونة مؤسسية واستقلالية كاملة في اتخاذ القرار فمشروع القانون الجديد ينقل الجهاز من مجرد "مشروع تابع" أو آلية تنفيذية مؤقتة إلى هيئة عامة اقتصادية ذات شخصية اعتبارية مستقلة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة.

وهذه الاستقلالية تفك القيود الروتينية والبيروقراطية الحكومية المعتادة وتمنح مجلس إدارة الجهاز القدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية والتعاقدات الفورية مع الشركات العالمية والمحلية دون الدخول في دورات مستندية معقدة مما يسرع من معدلات إنجاز المشروعات على الأرض.. كما تمنح صلاحيات واسعة لولاية الأراضي وإدارتها.. فمن أهم نصوص هذا القانون هو تنظيم ملكية وولاية الجهاز على الأراضي والمساحات المستصلحة أو المخطط تنميتها.. حيث ينهي هذا التشريع تماماً تداخل الاختصاصات بين الجهات والوزارات المختلفة (مثل وزارات الزراعةو الري والإسكان).. فيصبح الجهاز هو صاحب الولاية المباشرة والوحيدة على مناطق عمله مما يسهل عمليات التخصيص الشراكة مع القطاع الخاص ومنح المستثمرين الجادين تسهيلات سريعة دون عوائق قانونية.

أيضا يعطي القانون الجديد للجهاز الحق في تأسيس شركات مساهمة بمفرده أو بالاشتراك مع القطاع الخاص والاشتراك في شركات قائمة والاستثمار في البورصة بما يحول الجهاز إلى "مستثمر ومطور اقتصادي ذكي". يتيح جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية العملاقة للاستثمار في التصنيع الزراعي واللوجستيات وصناعات التعبئة والتصدير.. فالدولة هنا لا تتحمل وحدها تكلفة التنمية بل يفتح القانون الباب لمشاركة القطاع الخاص بقوة تحت مظلة ورقابة الدولة.

وبموجب إعادة التنظيم تكون للجهاز موازنة مستقلة يتم إعدادها على نمط موازنات الهيئات الاقتصادية.. وتبدأ السنة المالية له مع السنة المالية للدولة مع حق الاحتفاظ بفائض إيراداته من سنة إلى أخرى بما يضمن "التمويل الذاتي" للمشروعات فالأرباح والعوائد التي يحققها الجهاز من بيع المحاصيل أو عوائد التصنيع والشراكات يعاد ضخها مباشرة لتوسيع الرقعة الزراعية وشراء أحدث المعدات التكنولوجية مما يقلل العبء على الموازنة العامة للدولة ويحقق استدامة مالية حقيقية. 

إن"جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة" ليس مجرد مشروع ينتهي بقص شريط الافتتاح بل هو "مؤسسة حياة" تبني شرايين خضراء في قلب الصحراء.. وهو تجسيد عملي لإرادة سياسية قررت ألا تترك أمن مصر الغذائي رهينة للظروف العالمية أو التغيرات المناخية.

هذا الجهاز هو أحد أهم قلاع التطوير.. قلعة تبنى بالبذور والجرارات والتكنولوجيا لتكون الحصن المنيع الذي يضمن للمواطن المصري غدًا آمنًا ومستقراً وللدولة المصرية سيادة لا تُمس على قرارها ومقدراتها.

تم نسخ الرابط