عاجل

هل تتخيل أن أعظم النِّعَم التي عرفتها البشرية كان سببها دعوة؟

إحنا مثلًا كمسلمين، أكبر نعمة في حياتنا إن ربنا جعلنا من أتباع سيدنا محمد ﷺ... والنعمة دي في أصلها كانت دعوة.

فهو ﷺ يقول عن نفسه: «أنا دعوة أبي إبراهيم»
وهي الدعوة التي دعا بها خليل الرحمن حين قال كما حكى القرآن الكريم:

﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129].

وكأن القرآن يريد أن يعلمنا أن الدعاء قد يغيِّر مجرى التاريخ.

بل أكثر من ذلك...
ستجد في القرآن أن أعظم مُلكٍ عرفته الدنيا، وأوسع سلطانٍ أُوتيه بشر، كان أيضًا ثمرة دعوة.

يقول الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: 34].

تتحدث الآية عن ابتلاء عظيم تعرض له نبي الله سليمان عليه السلام. وقد اختلف المفسرون في تحديد طبيعة هذه الفتنة، ولم يثبت في تفاصيلها قولٌ قاطع، لكن الثابت الذي لا خلاف فيه أن هذا الابتلاء قاد سليمان إلى باب الإنابة، فعاد إلى ربه بقلب منكسر ولسان مستغفر.

وهنا يبدأ واحد من أعظم مشاهد الدعاء في القرآن.

قال عليه السلام:
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾.
وده الطلب اللي أي واحد فينا يتوقعه. فالعبد إذا شعر بتقصيره، أول ما يرجوه من ربه هو المغفرة. وكان ممكن الدعاء يقف عند كده... لكن سليمان عليه السلام كان يعرف من يدعو، ويعرف أن خزائن الله لا تنفد، وأن الكريم لا يعجزه شيء.
لذلك أتبع طلب المغفرة بطلب يكاد يعجز العقل عن تصوره:

﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: 35].

لم يطلب ملكًا عظيمًا فحسب، بل سأل الله عز وجل ملكًا لا يكون لأحد بعده مثله.

يا لها من ثقة... لكنها ليست ثقة بالنفس، وإنما ثقة بمن بيده كل شيء. ثقة بمن اسمه الوهاب، الذي لا تنقص خزائنه بالعطاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

فجاء الجواب الإلهي في الحال:

﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ۝ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ۝ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ۝ هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: 36-39].

ريحٌ تجري بأمره، وجنٌّ يعملون بين يديه، وتسخيرٌ لم يؤته أحد من العالمين.

ثم يأتي الخطاب الذي يملأ القلب يقينًا:
﴿هَٰذَا عَطَاؤُنَا﴾.

هذا الذي أُعطيته يا سليمان ليس منحة من بشر، ولا مكافأة من مخلوق، وإنما هو عطاء الوهاب سبحانه؛ يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا يُسأل عن خزائنه، لأنها لا تنفد.

ومع ذلك... لم يكن هذا نهاية الإكرام.

قد يظن بعض الناس أن من نال كل هذا النعيم في الدنيا لن يبقى له شيء في الآخرة، لكن القرآن يبدد هذا الوهم بقوله تعالى:

﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: 40].

أي أن ما أعده الله لسليمان عنده أعظم وأبقى، فكرم الله لا ينقص بعطاء، ولا تنفد خزائنه مهما أعطى.

إوعى يضيق أملك في ربنا.

إوعى تحصر دعاءك في حدود اللي عقلك شايفه ممكن.

اطلب من الكريم... لأنك بتطلب من الكريم.

واطمع في الوهاب... لأنك بتسأل الوهاب.

فمن عرف الله، أحسن السؤال، وعظَّم الرجاء، وأيقن أن خزائن السماء لا تنفد.

ارفع إيديك للسما، وغمض عينيك، وقول من قلبك قبل لسانك:

يا كريم يا رب.

تم نسخ الرابط