هل أصبح التعليم التكنولوجي بديلًا للثانوية العامة؟.. خبير يجيب|خاص
أكد الدكتور مجدي حمزة، الخبير التربوي، أن التوسع في التعليم التكنولوجي بنظامي الثلاث والخمس سنوات يمثل أحد أهم المشروعات التعليمية التي تنفذها الدولة في إطار بناء الجمهورية الجديدة، مشيرًا إلى أن تحقيق التنمية الحقيقية لا يمكن أن يتم دون تطوير التعليم الفني وربطه باحتياجات سوق العمل والتكنولوجيا الحديثة.
تعليم فني جديد يواكب متطلبات العصر
وأوضح حمزة، في تصريحات خاصة أن الحديث عن الجمهورية الجديدة يفرض بالضرورة الحديث عن تعليم فني جديد يواكب متطلبات العصر، مؤكدًا أن التعليم الفني التقليدي الذي كان يعتمد على المدارس الصناعية والزراعية والتجارية لم يعد قادرًا بمفرده على تلبية احتياجات سوق العمل، الأمر الذي جعل التحول إلى منظومة التعليم التكنولوجي الحديثة ضرورة ملحة.
وأضاف أن وزارة التربية والتعليم أعلنت بالفعل خطة واضحة لتحويل جميع المدارس الفنية الصناعية والزراعية والتجارية التقليدية إلى مدارس تكنولوجية حديثة خلال فترة زمنية محددة، واصفًا هذه الخطوة بأنها غير مسبوقة في تاريخ التعليم المصري، وتمثل نقلة نوعية في فلسفة التعليم الفني داخل الدولة.
وأشار إلى أن نجاح هذه التجربة لا يرتبط فقط بإنشاء مدارس جديدة أو تغيير المسميات، وإنما يعتمد بالدرجة الأولى على أسلوب الإدارة، قائلًا: "السؤال الحقيقي هو: هل ستدار هذه المدارس بالعقليات القديمة نفسها أم سيتم إعداد كوادر جديدة تمتلك الفكر الحديث القادر على إدارة منظومة تعليم تكنولوجي متطورة؟ لأن الجمهورية الجديدة تحتاج إلى إدارة جديدة، وليس مجرد مبانٍ جديدة".
التعليم يمثل القاطرة الأساسية التي تقود أي دولة نحو التنمية
وأوضح الخبير التربوي أن التعليم يمثل القاطرة الأساسية التي تقود أي دولة نحو التنمية، ولذلك فإن تطوير التعليم الفني يعد أحد أهم عناصر نجاح رؤية الدولة المصرية، خاصة في ظل توجه القيادة السياسية نحو بناء اقتصاد يعتمد على الصناعة والتكنولوجيا والإنتاج.
ولفت إلى أن مصر تضم حاليًا نحو 215 مدرسة تكنولوجية متطورة موزعة على مختلف المحافظات، وتشمل مدارس التكنولوجيا التطبيقية في مجالات متنوعة، من بينها مدارس العربي، والسويدي، والطاقة الشمسية، والطاقة النووية، والاتصالات، والبريد، والمياه، والثروة السمكية، والمجوهرات، وEgypt Gold، وغيرها من المدارس المتخصصة التي تمثل نماذج حديثة للتعليم الفني.
وأوضح أن هذه المدارس جاءت نتيجة بروتوكولات تعاون ناجحة بين وزارة التربية والتعليم والقطاع الخاص، مؤكدًا أن هذه الشراكة ساهمت في القضاء على الفجوة التي ظلت قائمة لسنوات بين المناهج الدراسية واحتياجات سوق العمل، حيث أصبح الطالب يدرس داخل بيئة إنتاج حقيقية ويتعامل مع التكنولوجيا الحديثة بصورة مباشرة.
وأكد أن المرحلة الحالية تمثل مجرد بداية، إذ تستهدف الدولة خلال السنوات المقبلة استكمال تحويل المدارس الفنية التقليدية إلى مدارس تكنولوجية حديثة بما يتوافق مع رؤية مصر 2030، لكنه شدد على ضرورة أن يكون التطوير حقيقيًا وملموسًا على أرض الواقع، وليس مجرد تغيير في المسميات أو تصريحات إعلامية.
وقال حمزة إن المكاسب التي تحققها المدارس التكنولوجية لا تقتصر على الدولة فقط، وإنما تنعكس بشكل مباشر على الطالب، إذ يحصل أثناء الدراسة على مقابل مادي أو مكافأة شهرية خلال فترة التدريب، إلى جانب التدريب العملي داخل المصانع وورش الإنتاج، وهو ما يمنحه خبرة عملية حقيقية قبل التخرج.
وأضاف أن وجود المدارس داخل المصانع أو بالشراكة معها يجعل الطالب يتعامل يوميًا مع بيئة العمل الفعلية، الأمر الذي يؤهله للالتحاق مباشرة بسوق العمل بعد التخرج دون الحاجة إلى فترات تدريب طويلة، مؤكدًا أن هذه المنظومة تخرج فنيين وتقنيين على أعلى مستوى من الكفاءة.
هذا النموذج من التعليم سيكون له مردود اقتصادي كبير على الدولة
وأشار إلى أن التوسع في هذا النموذج من التعليم سيكون له مردود اقتصادي كبير على الدولة، لأنه يساهم في إعداد عمالة فنية مدربة تلبي احتياجات المصانع والشركات، كما يدعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.
وأضاف أن العديد من الدول الآسيوية حققت انطلاقتها الاقتصادية من خلال الاعتماد على التعليم الفني والتكنولوجي وربطه بالإنتاج، موضحًا أن الإقبال على المدارس التكنولوجية شهد تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تعكسه الأرقام الرسمية.
وأوضح أن نسبة الالتحاق بالمدارس التكنولوجية بلغت نحو 7.5% في عام 2020، ثم ارتفعت إلى 13.5% في عام 2021، واستمرت في الصعود خلال عامي 2022 و2023 لتصل إلى نحو 17%، قبل أن ترتفع خلال العام الدراسي 2025/2026 إلى نحو 25%.
وأكد أن هذه المؤشرات تعكس تغير نظرة المجتمع المصري إلى التعليم الفني، ولكن هذه المرة تجاه التعليم التكنولوجي الحديث، وليس التعليم الفني التقليدي، موضحًا أن المدارس التكنولوجية أصبحت تمثل بديلًا قويًا للثانوية العامة، خاصة مع الضغوط التي تشهدها الأخيرة والمنافسة الكبيرة على الالتحاق بالجامعات.
وأضاف أن كثيرًا من الأسر المصرية أصبحت تنظر إلى مستقبل أبنائها بصورة أكثر عملية، وأصبح السؤال الأهم لديها هو: "أين توجد فرصة العمل؟"، مشيرًا إلى أن الإجابة أصبحت في كثير من الأحيان داخل المدارس التكنولوجية، لأنها تقدم تخصصات يحتاجها سوق العمل بالفعل، وعلى رأسها البرمجة وعلوم الحاسب والتكنولوجيا الحديثة، وهي المجالات التي ستقود سوق العمل خلال السنوات المقبلة.
وأشار إلى أنه رغم استمرار نسبة تتراوح بين 70 و75% من الأسر في تفضيل الثانوية العامة باعتبارها الطريق التقليدي لدخول الجامعة، فإن هذه النظرة بدأت تتغير تدريجيًا، موضحًا أن العقدة النفسية المرتبطة بالتعليم الفني بدأت تتراجع بصورة واضحة.
وتوقع حمزة أنه خلال سبع أو ثماني سنوات سيصبح التعليم التكنولوجي المسار الأكثر انتشارًا داخل مرحلة التعليم الثانوي، بفضل ارتباطه المباشر بفرص العمل واحتياجات الصناعة، فضلًا عن نجاحه في إعداد كوادر مؤهلة لسوق العمل المحلي والدولي.
التعليم التكنولوجي لا يغلق الباب أمام استكمال الدراسة الجامعية
وأكد أن التعليم التكنولوجي لا يغلق الباب أمام استكمال الدراسة الجامعية، إذ يستطيع الطالب الاكتفاء بالشهادة والالتحاق مباشرة بسوق العمل، أو استكمال دراسته في الجامعات وفقًا للنسب التي تحددها الدولة سنويًا.
وأوضح أن الحكومة تخصص نسبة تتراوح بين 5 و10% من خريجي الدبلومات الفنية لاستكمال الدراسة الجامعية، سواء في كليات التكنولوجيا، أو كليات التعليم الصناعي، أو بعض كليات الهندسة، متوقعًا أن ترتفع هذه النسبة مستقبلًا مع زيادة الإقبال على التعليم التكنولوجي.
وحول دور القطاع الخاص، أكد حمزة أن تجربة المدارس التكنولوجية تقوم على شراكة متكاملة بين الدولة والقطاع الخاص، حيث يتولى القطاع الخاص إنشاء المدارس وتجهيزها بأحدث المعدات، بينما تتولى وزارة التربية والتعليم إعداد المناهج والإشراف الفني وتوفير المعلمين، مع الاستفادة من خبرات رجال الصناعة في تطوير البرامج التعليمية بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل.
واختتم الخبير التربوي تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح تجربة التعليم التكنولوجي يعتمد على استمرار التكامل بين الدولة والقطاع الخاص، والتطوير المستمر للمناهج، وإعداد كوادر تعليمية مؤهلة، بما يضمن تخريج أجيال تمتلك المهارات الفنية والتكنولوجية القادرة على قيادة التنمية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.