عاجل

 حكاية بطولة اختفى فيها الـVAR، وظهر فيها الهاتف، واختلطت فيها قرارات التحكيم بالمفاجآت، حتى أصبح المشجع لا يعرف: هل يتابع بطولة كأس العالم… أم يشاهد موسمًا جديدًا من مسلسل لا يعترف إلا بالإثارة؟!

أقترح - بكل تقدير - أن يعقد الاتحاد الدولي لكرة القدم مؤتمرًا صحفيًا عاجلًا… ليس لمناقشة التحكيم، وإنما للإعلان رسميًا عن تغيير اسمه.

فبعد كل ما شهدناه في السنوات الأخيرة، لم يعد اسم “فيفا” مناسبًا.

الاسم الأقرب للواقع أصبح “تيتا”.

لأن “تيتا” وحدها تستطيع أن تُلغي هدفًا صحيحًا، وتتجاهل ركلة جزاء واضحة، وتغض الطرف عن بطاقة حمراء مستحقة، ثم تُطالبك في نهاية المباراة بأن تُصفق للعدالة التحكيمية، وتثق في أن تقنية الفيديو راجعت كل شيء!

وبعد ما جرى في مباراة مصر أمام الأرجنتين، بدا وكأن “تيتا” أرادت أن تقدم درسًا عمليًا جديدًا في فلسفة التحكيم الحديثة؛ فلسفة تقول إن اللقطة الواحدة قد يكون لها حكمان مختلفان، وإن شاشة الـVAR قد تتحول من شاهد عدل إلى مجرد قطعة ديكور لا تتدخل إلا عندما ترغب “تيتا”.

البداية كانت بإلغاء هدف مصطفى عبد الرؤوف “زيكو”، بدعوى وجود خطأ قبل وصول الكرة إلى الشباك، وهو قرار حرم منتخب مصر من هدف كان كفيلًا بتغيير مجريات المباراة.

ولأن الاتساق ليس من قواعد “تيتا”، جاءت الدقيقة (92) لتشهد التحامًا مع محمد صلاح داخل منطقة الجزاء، في لقطة رأى كثيرون أنها لا تقل وضوحًا عن المخالفة التي أُلغي بسببها هدف مصر. لكن هذه المرة اختفت الصافرة، وغابت مراجعة الفيديو، وكأن الواقعة حدثت في ملعب آخر.

أما المشهد الثالث، فكان التدخل العنيف من المدافع الأرجنتيني ناهويل مولينا ضد إمام عاشور بعيدًا عن الكرة، وهي لقطة اعتبرها كثير من المحللين تستحق بطاقة حمراء مباشرة، إلا أن اللعب استمر بصورة طبيعية، وكأن شيئًا لم يكن.

ثلاث لقطات… وثلاث علامات استفهام… وثلاث رسائل جعلت الجماهير تشعر أن المباراة لم تكن بين مصر والأرجنتين فقط، بل بين منتخب يحاول أن يحسمها داخل الملعب، وتحكيم قرر أن يكون بطلًا للمشهد.

ولمن يعتقد أن ما حدث مجرد “سوء تقدير”، فليعد قليلًا إلى مونديال قطر 2022، عندما خرج الاتحاد المغربي لكرة القدم محتجًا رسميًا على ما وصفه بظلم تحكيمي أمام فرنسا، بعد المطالبة بركلتي جزاء واضحتين، مع استغراب غياب تدخل غرفة الفيديو. يومها أيضًا قيل إن كل شيء جرى وفق اللوائح… وإنها مجرد قرارات تقديرية.

ثم جاء الفصل الأكثر إثارة…

رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، خرج ليعلن بنفسه أنه تحدث مع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، طالبًا مراجعة قرار إيقاف مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون. وبعد ساعات، أصبح اللاعب مؤهلًا للمشاركة في دور الـ16.

قد يقول البعض إنها مجرد مصادفة…

لكنها بالتأكيد مصادفة تجعل الهاتف يبدو أكثر تأثيرًا من شاشة الـVAR!

وهنا يصبح من حق المشجع أن يسأل ساخرًا: إذا كانت المكالمات الهاتفية أصبحت جزءًا من المشهد، فلماذا نستغرب أن تتحول “فيفا” إلى “تيتا”؟

ورغم كل ذلك…

هناك شيء لم تستطع “تيتا” أن تلغيه.

لم تستطع أن تلغي الأداء الرجولي لمنتخب مصر أمام بطل العالم، ولا الروح التي قاتل بها اللاعبون حتى اللحظة الأخيرة، ولا الاحترام الذي فرضوه على كل من تابع المباراة.

والأهم من كرة القدم نفسها، أنها لم تستطع أن تلغي الموقف الأخلاقي والإنساني لمنتخب مصر، الذي تمسك بدعمه للقضية الفلسطينية في وقت اختار فيه كثيرون الصمت أو الحياد. كان ذلك اختبارًا حقيقيًا للمبادئ، أثبت أن بعض الانتصارات لا تُقاس بالأهداف، ولا تُحسم بقرارات الحكام، ولا تُراجع بتقنية الفيديو.

قد تستطيع “تيتا” أن تُلغي هدفًا…

وقد تتجاهل ركلة جزاء…

وقد تمرر بطاقة حمراء…

لكنها لن تستطيع أن تُلغي احترام العالم لمن لعب بشرف، ولا أن تمحو موقفًا وطنيًا وإنسانيًا سيبقى أكبر من أي بطولة.

ولهذا…

إذا كانت النتيجة قد كُتبت على لوحة المباراة، فإن التاريخ يكتب شيئًا آخر.

التاريخ سيذكر أن مصر خرجت من البطولة…

لكنها خرجت مرفوعة الرأس… وربحت ما هو أكبر من كأس العالم. شكرا للعميد حسام حسن ورفاقه

تم نسخ الرابط