عاجل

 لم يعد مستقبل الاقتصادات يقاس بحجم الناتج المحلي الإجمالي وحده بل بقدرتها على إنتاج المعرفة واستيعاب التكنولوجيا وبناء سلاسل قيمة مضافة وتحقيق الأمن الاقتصادي في عالم يشهد إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية بصورة متسارعة فمنذ جائحة كورونا مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية ثم التوترات في الشرق الأوسط وصولًا إلى السباق العالمي في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة أصبح واضحًا أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن العقود السابقة وتمتلك مصر فرصة تاريخية لإعادة صياغة نموذجها التنموي بحيث تنتقل من اقتصاد يركز على مواجهة الأزمات إلى اقتصاد يصنع الفرص ويستبق التحولات حتى عام 2050.
ويمثل الموقع الجغرافي لمصر أحد أهم عناصر القوة التي لا تزال أقل من إمكاناتها الحقيقية فمصر تقع عند ملتقى ثلاث قارات وتطل على أحد أهم الممرات البحرية العالمية وتمتلك شبكة متطورة من الطرق والموانئ والمطارات والمناطق اللوجستية إلا أن القيمة الاقتصادية لهذا الموقع لن تتحقق بالكامل إلا إذا تحول إلى منصة عالمية للتصنيع وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية وليس مجرد ممر لعبور التجارة.
وتشير التجارب الدولية إلى أن الدول التي نجحت في تحقيق قفزات اقتصادية لم تعتمد على الموقع الجغرافي وحده بل حولته إلى مركز للإنتاج والابتكار ويجب أن تكون الأولوية لتوطين الصناعات التي تمتلك فيها مصر ميزات نسبية أو فرصًا واعدة مثل الصناعات الغذائية والدوائية والهندسية والإلكترونيات ومكونات السيارات والصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات.
ومن أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري انخفاض مساهمة الصادرات ذات القيمة المضافة المرتفعة مقارنة بحجم الاقتصاد وينبغي الانتقال من مفهوم "زيادة الصادرات" إلى مفهوم "تعظيم القيمة المضافة للصادرات" بحيث ترتفع نسبة المنتجات الصناعية والتكنولوجية والخدمات الرقمية في هيكل التجارة الخارجية.
ويعد التحول الرقمي أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي خلال العقدين المقبلين لن تقتصر المنافسة على امتلاك التكنولوجيا بل ستمتد إلى القدرة على تطويرها وتصديرها وبالتالى فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني وتحليل البيانات يجب أن يتحول إلى أولوية اقتصادية وليس مجرد مشروع تقني كما يمكن لمصر أن تستفيد من قاعدة الشباب الواسعة (65%) لتصبح مركزًا إقليميًا ودوليا للخدمات الرقمية والتعهيد وتطوير البرمجيات.
ولعل إحدى الأفكار الجديدة التي يمكن تطبيقها عمليًا تتمثل في إنشاء المجلس الوطني لاستشراف الاقتصاد المصري 2040 ليضم ممثلين عن الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز الفكر تنسيقا وتكاملا مع المؤسسات القائمة بالفعل وليس بديلا عنها وتكون مهمته إعداد سيناريوهات مستقبلية وتحليل المخاطر العالمية وتقديم توصيات دورية لمتخذي القرار وقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن مؤسسات الاستشراف الاستراتيجي أصبحت عنصرًا أساسيًا في صنع السياسات الاقتصادية. كما يمكن إطلاق منصة وطنية للفرص الاستثمارية المستقبلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل اتجاهات الأسواق العالمية وتحديد المنتجات والخدمات المتوقع ارتفاع الطلب عليها خلال السنوات المقبلة بما يساعد المستثمرين المصريين والأجانب على اتخاذ قرارات أكثر دقة ويزيد من كفاءة توجيه الاستثمارات
ومن الأفكار القابلة للتنفيذ أيضًا إنشاء مؤشر وطني للتنافسية القطاعية يتم تحديثه بصورة دورية ويقيس أداء القطاعات الاقتصادية وفق معايير الإنتاجية والتصدير والابتكار واستخدام التكنولوجيا والاستدامة ويساعد هذا المؤشر في توجيه الحوافز الحكومية نحو القطاعات الأكثر قدرة على تحقيق قيمة مضافة.
وفي إطار دعم المحافظات، يمكن تبني مفهوم العناقيد الاقتصادية الذكية بحيث تتخصص كل محافظة في مجموعة من الصناعات أو الخدمات التي تتوافق مع مواردها البشرية والطبيعية مع ربطها بمراكز بحثية وجامعات ومناطق لوجستية ويسهم ذلك في تقليل التفاوت التنموي وتعزيز التنمية الإقليمية المتوازنة.
 ومن المهم أيضًا تأسيس برنامج وطني لدبلوماسية الأسواق ينسق بين أجهزة الدولة والبعثات التجارية والقطاع الخاص لاستهداف الأسواق الواعدة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية مع إعداد خرائط فرص محدثة للصادرات والاستثمارات وسلاسل الإمداد ويعزز هذا النهج قدرة مصر على الاستفادة من التحولات في التجارة العالمية خاصة مع اتجاه العديد من الشركات إلى تنويع مراكز الإنتاج.
ولا يقل أهمية عن ذلك تأسيس مرصد وطني لسلاسل الإمداد العالمية تكون مهمته متابعة التغيرات في مراكز الإنتاج والنقل العالمية وتحديد الفرص التي يمكن لمصر اقتناصها عند انتقال الاستثمارات أو إعادة توزيع الصناعات عالميًا ويتيح هذا المرصد لصانع القرار التحرك بسرعة لتهيئة البيئة المناسبة لاستقبال الاستثمارات الجديدة.
إن النجاح الاقتصادي لمصر حتى عام 2040 لن يعتمد على استمرار الإصلاحات بل على القدرة على تحويل مصر إلى بيئة حاضنة للابتكار والإنتاج والتصدير ويتطلب ذلك تطوير مؤسسات أكثر مرونة وسياسات قائمة على البيانات وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص واستثمارًا مستدامًا في الإنسان باعتباره المحرك الرئيسي للتنمية.
 وسيظل السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار كيف نحافظ على معدلات النمو الحالية وكيف نجعل الاقتصاد المصري من بين أكثر الاقتصادات تنافسية وابتكارًا في المنطقة بحلول عام 2050 والإجابة تبدأ بالانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل ومن رد الفعل إلى الاستباق ومن الاعتماد على المزايا التقليدية إلى بناء مزايا تنافسية جديدة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا والإنتاجية وإذا نجحت مصر في هذا التحول فإنها لن تواكب الاقتصاد العالمي فحسب بل ستكون أحد الفاعلين المؤثرين في تشكيل خريطته الإقليمية والدولية خلال العقدين المقبلين.

تم نسخ الرابط