عاجل

تتصاعد في هذه الأيام المطالب المشروعة بتحسين دخول أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة في الجامعات المصرية، وهي مطالب تعكس تقديرًا للدور الوطني الذي يقوم به الأستاذ الجامعي في إعداد الكوادر، وصناعة المعرفة، ودعم البحث العلمي، وبناء الإنسان بصفة عامة. ولا شك أن تحسين أوضاع هيئة التدريس والهيئة المعاونة يمثل استثمارًا في مستقبل الوطن، وليس مجرد زيادة في بند الأجور، وليس مطلبًا فئويًا، بل هو قضية وطنية تمس جودة التعليم ومستقبل التنمية.
وفي ظل المتغيرات الاقتصادية الحالية، تبرز الحاجة إلى البحث عن حلول مستدامة لا تقتصر على زيادة الاعتمادات الحكومية، وإنما تعتمد أيضًا، وبصفة أساسية، على تعظيم واستثمار الموارد الذاتية للجامعات، لتصبح شريكًا في تمويل احتياجاتها، وفي مقدمتها تحسين دخول أعضاء هيئات التدريس والعاملين.
ولقد أدركت الجامعات الكبرى في العالم أن رسالتها العلمية لا تتعارض مع امتلاك موارد مالية قوية، بل إن الاستقلال المالي أصبح أحد أهم عوامل التميز الأكاديمي والبحثي. فلم تعد مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، وإنما أصبحت أيضًا مؤسسات اقتصادية معرفية تنتج المعرفة، وتحولها إلى قيمة مضافة من خلال البحث العلمي والابتكار، وكذلك إنشاء شركات استثمارية، وأودية تقنية، ومراكز للابتكار. كما توسعت جامعات أخرى في التعليم التنفيذي، والاستشارات، والبحث التطبيقي، وتنمية الأوقاف الجامعية، وتعظيم استثمار أصولها، ومواردها من الصناديق الخاصة، والوحدات ذات الطابع الخاص بصفة عامة.
حتى أصبحت كثير من الجامعات تعتمد على مواردها الذاتية في تمويل جانب كبير من أنشطتها، وتدعيم رسالتها الأكاديمية. ولعلني أذكر، على سبيل المثال، جامعتي كامبريدج البريطانية، والذي بلغ قيمة وقفها أكثر من 7 مليار جنيه إسترليني، وجامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي بلغ حجم وقفها أكثر من 53 مليار دولار في عام 2021.
أما الجامعات المصرية، فإنها تمتلك فرصًا واعدة لا تقل عن نظيرتها في الدول العربية والعالم، فهي تضم آلاف العلماء والخبراء، وعشرات من المستشفيات الجامعية، ومئات المراكز البحثية، والوحدات ذات الطابع الخاص، فضلًا عن البرامج العلمية المميزة، وأصول وإمكانات الصناديق المتعددة، مما يمكن استثمارها بصورة أكثر كفاءة. ولكي تنجح هذه التجربة في مصر، فإنها تحتاج إلى تحديث التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وإتاحة مرونة أكبر للجامعات في إنشاء الشركات وإدارة استثماراتها، مع الالتزام الكامل بالحوكمة والشفافية، وربط العائد بتحسين جودة التعليم والبحث العلمي.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الجامعة التي تستثمر علمها وخبراتها لا تحقق أرباحًا مالية فحسب، وإنما تخلق فرص عمل، وتدعم الاقتصاد الوطني، وتزيد قدراتها على المنافسة الدولية، وتوفر بيئة أكاديمية أكثر جذبًا للعلماء والطلاب. ومن هنا، فإن بناء شركات جامعية قوية، وإحياء ثقافة الوقف التعليمي، وتوسيع الاستثمار في المعرفة، والنجاح في إدارة أصولها، منها الوحدات ذات الطابع الخاص والصناديق المختلفة، يعد ضرورة استراتيجية إن أردنا أن تصبح الجامعات المصرية، بجانب كونها منارات علمية، تكون كذلك اقتصادية، قادرة على تمويل تطورها، وتحقيق حياة كريمة لأعضاء هيئة التدريس والعاملين فيها، والإسهام بفاعلية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر المستقبلية.
إن الموارد قد تُمنح، لكنها لا تُصنع إلا بقيادة واعية، وأن الجامعات العظيمة لم تصبح كذلك بكثرة ما أُنفق عليها، وإنما لأنها أحسنت استثمار الإنسان، والمعرفة، والفرصة. والجامعة التي تنتظر زيادة المخصصات المالية قد تحقق نموًا محدودًا، أما الجامعة التي تستثمر المعرفة، وتطلق طاقات الإنسان، وتبني الشراكات، وتحسن إدارة أصولها، فإنها تبني مستقبلها بيدها. والقيادة الجامعية ليست إدارة لما هو قائم، بل صناعة لما ينبغي أن يكون.

تم نسخ الرابط