عاجل

عالم يحتاج إلى من ينظمه، يضبط إيقاعه ويوحّد قوانينه ويرسم له الخطوط الحمراء، هكذا كان المشهد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولأن عصبة الأمم المنظمة الدولية الأكبر وقتها لم تكن قادرة على فعل ذلك، تم استحداث الأمم المتحدة كمنظمة حديثة وشبابية قادرة على القيام بالدور المطلوب منها وهو بالتحديد "ضبط إيقاع الدول وتحديد النقاط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها".

وبعيدًا عن عالم السياسة وما إذا كانت الأمم المتحدة قادرة على لعب نفس الدور الآن وبنفس الكفاءة، فإن الحقائق التي طرأت خلال العامين  الماضيين أشارت إلى أن هناك واقع مماثل بدأ يتشكل لكن تلك المرة ليس من خلال حروب عالمية بل من خلال ذكاء اصطناعي انفجر فأصبح كل شيء مباح ومتاح أيضًا في ظل عدم وجود أي "قواعد" أو شرطة عالمية يمكنها ضبط إيقاع العالم الجديد.

لهذا بالضبط أعلنت الأمم المتحدة تشكيلة لجنة عالمية لرسم مستقبل الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع الاتحاد الدولي للاتصالات AI for Good Global Commission ويشارك فيها رؤساء دول وعلماء وشركات تكنولوجية كبرى، والهدف الرئيسي لها وضع رؤية عالمية لحوكمة هذا المارد الجديد المسمى "ذكاء اصطناعي"، ورغم أن الخبر مر مرور الكرام لكن الحقيقة أنه قد يكون أهم أخبار العالم لكن بشيء من التفصيل.
ولنبدأ بطريقة صحيحة علينا أولًا معرفة سبب إنشاء اللجنة في هذا الوقت بالتحديد والإجابة لن تكون صعبة فخلال العامين الأخيرين حدث ما يشبه الانفجار في قدرات الذكاء الاصطناعي إذ باتت النماذج قادرة على كتابة برامج كاملة وإنتاج فيديوهات Deepfake واقعية واستنساخ أصوات واكتشاف ثغرات أمنية، بالإضافة إلى تحليل ملايين البيانات في ثوان وقيادة روبوتات واتخاذ قرارت معقدة، والقائمة تطول ما دفع الحكومات لتتسائل "من يضع قواعد كل ذلك ومن ينظمها"؟
هذا يأخذنا إلى النقطة الثانية وهي الهدف من تلك اللجنة وهل هي لتطوير AI، والحقيقة لا، فهي لن تطور لكنها ستضع مبادئ عالمية لاستخدامه مثل سلامة الإنسان والتي يندرج تحتها الكثير من البنود أهمها ضمان ألا يتسبب AI في أضرار للبشر خاصة النماذج التي تستخدم في أعمال حياتية مثل الروبوت الطبي والسيارات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار.

اللجنة ستكون مسئولة أيضًا عن منع استخدام الـAI، في ارتكاب الجرائم مثل الاحتيال واختراق البنوك وسرقة البيانات وتصنيع البرمجيات الخبيئة والإرهاب الإلكتروني، أما بالنسبة لـ" Deepfake " فسيكون دورها تمييز الحقيقي من المزيف وحماية أي استغلال إلكتروني قد يحدث خاصة ما يتعلق بالأطفال.

تعمل النماذج من خلال بيانات ضخمة والسؤال: من يملك هذه البيانات؟ وهل يحق للشركات استخدامها وهل يستطيع المستخدم حذفها، كل تلك الأسئلة ركزت عليها اللجنة الأممية الجديدة لحماية "خصوصية البشر" كما ركزت على مفهوم آخر وهو العدالة إذ احتمالية أن يحصل الجميع على نفس فرص استخدام الـ AIهو احتمال ضعيف واحتكار الدول الغنية هو الاحتمال الاكبر.

بالنسبة للوظائف ومدى إمكانية فقد ملايين البشر وظائفهم بسبب  الـ AI وهو ما يعيش فيه الكوكب خلال الأعوام القليلة الماضية كان أحد الأسئلة التي ستناقشها اللجنة التي تبحث عن كيفية استفادة من الثورة التكنولوجية الجديدة دون إضافة طوابير جديدة من فاقدي العمل.

تلك هي أهداف اللجنة التي أعلنت عنها الأمم المتحدة، والتي لن تقتصر المشاركة فيها على موظفي الأمم المتحدة فقط، بل سيكون هناك رؤساء شركات التكنولوجيا، علماء AI، خبراء الأمن السيبراني، وزراء، جامعات، منظمات دولية، شركات اتصالات، شركات طيران وأخرى طبية.
هل معنى هذا أن تلك اللجنة ستشكل أي سلطة تلزم بها العالم في تطبيق ما تريده، الحقيقة لا هي ليست محكمة قضائية ولا تقدر على معاقبة أحد لكنها ستكتب توصيات وتضع معايير في محاولة لضبط المنظومة التكنولوجية، ثم تبدأ الدول بعد ذلك في تحويلها إلى قوانين مثلما حدث مع GDPR في أوروبا.
بالطبع لا نحتاج إلى تبيان أهمية الأمر بعد أن أصبح كل شيء تقريبًا معتمدًا على AI، بداية من الصحة والتعليم والقضاء ووصولًا إلى الشرطة والقوات المسلحة والطائرات، وإذا لم توجد قواعد فسيصبح كل شيء متروكًا للشركات، ذلك وضعت اللجنة قائمة الملفات التي يناقشونها العام الجاري وأهمها استخدام AI في الصحة والأمن السيبراني والمجالات العسكرية والروبوتات والسيارات ذاتية القيادة وتنظيم النماذج العملاقة وأخلاقيات AI.

تم نسخ الرابط