عاجل

هل قرار حركة حماس حل حكومتها تسهم في الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة؟

غزة
غزة

قالت الدكتورة نيفين وهدان، أستاذة العلوم السياسية، إن الحديث عن استعداد حركة حماس للتخلي عن إدارة الحكومة في قطاع غزة، أو القبول بإسناد الإدارة المدنية إلى حكومة تكنوقراط أو لجنة وطنية مستقلة، يمثل أحد أبرز التحولات السياسية التي فرضتها التطورات الأخيرة في مسار المفاوضات الخاصة بوقف إطلاق النار. 

وأضافت الدكتورة نيفين وهدان في تصريح خاص لموقع نيوز رووم، أن هذا التطور لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تنازل تنظيمي أو إداري، وإنما بوصفه تحولا استراتيجيا يستهدف إعادة هندسة المشهد الفلسطيني الداخلي، وإزالة إحدى أبرز العقبات التي ظلت إسرائيل والولايات المتحدة تعتبرانها عائقا أمام الانتقال إلى ترتيبات "اليوم التالي للحرب"، في إطار التفاهمات التي ترعاها مصر وقطر والولايات المتحدة، والهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار والانتقال التدريجي نحو تسوية أكثر استدامة.

وأوضحت وهدان أن اتفاق وقف إطلاق النار، من منظور القانون الدولي وإدارة النزاعات، يقوم على مبدأ التدرج في تنفيذ الالتزامات (Sequencing of Implementation)، بحيث تتضمن المرحلة الأولى وقفا مؤقتا للعمليات العسكرية، وإجراء عمليات تبادل الأسرى والمحتجزين، وتوسيع نطاق دخول المساعدات الإنسانية، بينما تستهدف المرحلة الثانية تثبيت وقف إطلاق النار بصورة دائمة، والانسحاب الإسرائيلي من مناطق إضافية داخل قطاع غزة، وبدء ترتيبات حوكمة ما بعد الحرب (Post-war Governance)، إلى جانب إطلاق برامج إعادة الإعمار وتهيئة البيئة السياسية والأمنية لمرحلة جديدة. 

د. نيفين وهدان: تخلي حماس عن إجارة غزة لا يعني انسحابها من المشهد السياسي

وأضافت أن استعداد حركة حماس للتخلي عن إدارة الحكومة في غزة لا يعني بالضرورة انسحابها من المشهد السياسي أو إنهاء دورها كأحد الفاعلين الرئيسيين في النظام السياسي الفلسطيني، وإنما يعكس تحولا في أدوات إدارة الصراع، يقوم على الفصل بين السلطة التنفيذية والعمل السياسي، بما يسمح بإسناد الإدارة اليومية إلى حكومة تكنوقراط أو لجنة إسناد مجتمعي تحظى بقبول فلسطيني وعربي ودولي، مع استمرار الحركة كقوة سياسية لها حضورها في أي ترتيبات مستقبلية.

وأشارت إلى أنه من زاوية تحليل التفاوض، يمكن تفسير هذه الخطوة باعتبارها محاولة للانتقال بالمفاوضات من مرحلة الجمود السياسي (Negotiation Deadlock) والخلاف حول الشرعية، إلى مرحلة البحث عن آليات عملية لتنفيذ الاتفاق. فمنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة وما تبعها من تطورات إقليمية، بما في ذلك المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، تمسكت إسرائيل برفض أي صيغة تفضي إلى استمرار حكم حركة حماس للقطاع، معتبرة أن ذلك يتعارض مع أهدافها المعلنة للحرب، فيما أصرت الحركة على الاحتفاظ بدورها السياسي ورفض أي ترتيبات تستهدف إقصاءها بالكامل من مستقبل النظام السياسي الفلسطيني. ومن ثم، فإن القبول بحكومة غير حزبية يمثل محاولة لخلق مساحة وسط بين الموقفين، دون أن يحسم بصورة نهائية مسألة النفوذ الحقيقي على الأرض.

وأكدت أن هذه الخطوة، رغم أهميتها السياسية، لا تكفي وحدها لضمان الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، لأن الأزمة لم تعد مرتبطة بشكل الحكومة، بقدر ما أصبحت ترتبط بمنظومة أمنية واستراتيجية أكثر تعقيدا.

الدكتورة نيفين وهدان، أستاذة العلوم السياسية
الدكتورة نيفين وهدان، أستاذة العلوم السياسية

وأضافت أن إسرائيل لا تربط موافقتها على المرحلة الثانية فقط بوجود إدارة مدنية جديدة، وإنما تشترط كذلك تفكيك القدرات العسكرية لحركة حماس، ومنع إعادة بنائها، وإنشاء منظومة أمنية جديدة داخل القطاع تضمن عدم تكرار هجمات السابع من أكتوبر، وفي المقابل تعتبر الحركة هذه المطالب مساسا بجوهر وجودها باعتبارها حركة مقاومة، وترى أن نزع سلاحها قبل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة يفقدها أهم أوراق القوة التفاوضية.

 وأوضحت أن الأزمة تتقاطع هنا مع النموذج اللبناني، حيث لا يزال ملف سلاح حزب الله يمثل أحد أكثر الملفات تعقيدا في معادلة الدولة والأمن، بما يعكس أن إشكالية السلاح خارج إطار الدولة أصبحت تحديا إقليميا يتجاوز الحالة الفلسطينية وحدها.

وأشارت إلى أن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تلقي على عاتق القوة القائمة بالاحتلال مسؤوليات واضحة تتعلق بحماية السكان المدنيين، وضمان استمرار الخدمات الأساسية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ولذلك ينظر المجتمع الدولي إلى وجود سلطة مدنية مستقلة وفعالة باعتبارها ضرورة قانونية وإنسانية، وليس مجرد خيار سياسي. 

ولهذا السبب برزت خلال الأشهر الأخيرة مقترحات متعددة تتعلق بتشكيل حكومة تكنوقراط أو لجنة إدارة مدنية تحظى بدعم عربي ودولي، بهدف الفصل بين العمل الإنساني والاعتبارات العسكرية، بما يهيئ الظروف المناسبة لإعادة الإعمار.

وأضافت أن نجاح هذه الخطوة على الصعيد الفلسطيني الداخلي يظل مرتبطا بمستقبل المصالحة الوطنية، فإذا جرى التوافق على حكومة تحظى بموافقة السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والفصائل الوطنية المختلفة، فقد تمثل بداية لإعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية، وهو ما يتسق مع المبادئ التي تضمنتها اتفاقات القاهرة للمصالحة الفلسطينية، وإعلان الشاطئ، والتفاهمات الفلسطينية التي أكدت أهمية تشكيل حكومة توافق وطني تمهد لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس تشاركية.

ولفتت إلى أنه إذا اقتصر الأمر على تغيير شكلي مع استمرار النفوذ السياسي والأمني لحركة حماس داخل مؤسسات الحكم، فإن المجتمع الدولي قد يعتبر أن الأزمة الجوهرية لم تحل، وهو ما قد ينعكس سلبا على فرص تنفيذ المرحلة الثانية، وعلى إمكانية مشاركة الأطراف الدولية في تمويل إعادة الإعمار.

وأكدت أن مصر تبدو الطرف الأكثر حرصا على إنجاح هذا المسار، انطلاقا من ثوابتها الاستراتيجية ودورها التاريخي كوسيط رئيسي في القضية الفلسطينية، وحرصها على الحفاظ على الأمن القومي المصري ومنع امتداد تداعيات الصراع إلى حدودها الشرقية، فضلا عن تمسكها بحل الدولتين باعتباره الإطار الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار الإقليمي. كما تواصل قطر دورها في الوساطة وتقديم الدعم الإنساني، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الوصول إلى ترتيبات تحقق توازنا بين متطلبات الأمن الإسرائيلي والاعتبارات الإنسانية، بما يسمح بتهيئة بيئة مستقرة لإعادة الإعمار.

وأضافت أن الموقف الإسرائيلي لا يزال يتسم بالحذر والتشدد، إذ ترى الحكومة الإسرائيلية أن أي إدارة مدنية لن تكون مقبولة إذا احتفظت حركة حماس بقدرتها على التأثير العسكري أو الأمني. ولذلك انتقل جوهر الخلاف من سؤال: "من يحكم غزة؟" إلى سؤال أكثر تعقيدا يتمثل في: "من يحتكر استخدام القوة، ومن يدير المنظومة الأمنية والسياسية والاقتصادية داخل القطاع؟"، وهو السؤال الذي يمثل العقدة الأساسية في مفاوضات المرحلة الثانية.

وأوضحت أن نجاح المرحلة الثانية يتطلب وجود آليات رقابة وضمانات دولية لتنفيذ الالتزامات المتبادلة، وهو ما ينسجم مع المادة (33) من ميثاق الأمم المتحدة التي تدعو إلى تسوية المنازعات بالوسائل السلمية، كما يتفق مع الممارسات الدولية التي تعتمد على الوسطاء والضامنين لضمان استدامة اتفاقات وقف إطلاق النار ومنع انهيارها.

وأكدت  الدكتورة نيفين وهدان على أن استعداد حركة حماس للتخلي عن إدارة الحكومة لا يمثل مجرد خطوة إجرائية، بل يعد تحولا تكتيكيا في أدوات التفاوض يهدف إلى إعادة صياغة معادلة "اليوم التالي للحرب، مشددة على أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهونا بقدرة الوسطاء على تحويلها إلى إطار سياسي وأمني متكامل يعالج في الوقت ذاته ملفات الأمن، ومستقبل السلاح، وإعادة الإعمار، والإدارة المدنية، والشرعية الفلسطينية.

وأضافت أن قرار حل الحكومة قد يشكل مؤشرا إيجابيا يسهم في تهيئة البيئة السياسية للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، لكنه لا يمثل وحده الضمان الكافي لإنجاحها، مؤكدة أن الانتقال الحقيقي سيظل مرهونا بقدرة جميع الأطراف على بناء إجراءات متبادلة لبناء الثقة (Confidence-Building Measures)، وإيجاد هندسة أمنية وسياسية جديدة (Security Architecture) تحقق توازنا بين متطلبات الأمن الإسرائيلي، والحقوق الوطنية الفلسطينية، والاعتبارات الإنسانية، بما يؤسس لسلام أكثر استدامة، وليس مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار مع أول اختبار ميداني. 

وأكدت مختتمة أن المعضلة الحقيقية لم تعد تتمثل في هوية الحكومة التي ستدير غزة، وإنما في طبيعة النظام السياسي والأمني الذي سيحكم القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، ومدى قدرة المجتمع الدولي على توفير الضمانات اللازمة لتحويل وقف إطلاق النار من اتفاق مرحلي إلى تسوية سياسية قابلة للحياة.

تم نسخ الرابط