السر في الكروموسوم.. لماذا يُشخَّص التوحد لدى الأولاد أكثر من الفتيات؟
لطالما أثار اضطراب طيف التوحد تساؤلات العلماء بسبب ارتفاع معدلات تشخيصه لدى الأولاد مقارنة بالفتيات، إذ تشير الإحصاءات إلى أن الذكور يُشخَّصون بالإصابة بالاضطراب بنحو أربعة أضعاف الإناث.
وبينما كان الاعتقاد السائد لسنوات أن السبب يعود إلى قصور أدوات التشخيص، تكشف دراسة علمية حديثة أن هناك عاملًا بيولوجيًا قد يفسر جانبًا مهمًا من هذه الفجوة، يتمثل في الدور الذي يؤديه كروموسوم "إكس" في حماية الدماغ.
التشخيص وحده لا يفسر الفجوة
اعتمدت معظم الدراسات الأولى الخاصة باضطراب طيف التوحد على أعراض تظهر لدى الذكور، وهو ما انعكس على أدوات الفحص والمعايير الطبية المستخدمة في التشخيص. ونتيجة لذلك، غالبًا ما كانت أعراض التوحد لدى الفتيات تمر دون ملاحظة، أو تُفسَّر على أنها اضطرابات أخرى مثل القلق أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
وأدى هذا الخلل إلى انخفاض معدلات تشخيص الإناث، وهو ما انعكس بدوره على تمثيلهن في الأبحاث العلمية، لتنشأ حلقة مفرغة من نقص البيانات وصعوبة فهم طبيعة التوحد لدى الفتيات بصورة دقيقة.
فرضية "الحماية الأنثوية" تكتسب زخماً
في السنوات الأخيرة، برزت فرضية علمية تُعرف باسم "التأثير الوقائي لدى الإناث"، والتي تشير إلى أن الفتيات قد يمتلكن مقاومة بيولوجية أكبر للإصابة بالتوحد مقارنة بالأولاد.
وتدعم هذه الفرضية نتائج دراسات جينية أظهرت أن الفتيات المصابات بالتوحد يحملن عادة عددًا أكبر من الطفرات الجينية مقارنة بالذكور، ما يعني أن ظهور الاضطراب لديهن يتطلب عبئًا وراثيًا أكبر.
كروموسوم "إكس".. مفتاح التفسير الجديد
وقدمت دراسة تحليلية نُشرت في مجلة Nature Genetics في مارس 2026 تفسيرًا جديدًا لهذه الظاهرة، ركز على الدور الذي يلعبه كروموسوم "إكس"، بقيادة الباحث ديفيد بيج من معهد وايتهيد التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وبمشاركة الباحثة مايا تالوكدار.
ويمتلك الذكور كروموسومًا واحدًا من نوع "إكس" وآخر من نوع "واي"، بينما تمتلك الإناث نسختين من كروموسوم "إكس".
ورغم أن إحدى النسختين تُعطل داخل خلايا الإناث لمنع زيادة نشاط الجينات، فإن الأبحاث الحديثة أثبتت أن بعض الجينات لا تتوقف عن العمل بالكامل، بل تستمر في أداء وظائفها.
جينات لا تتوقف عن العمل
تُعرف هذه الجينات باسم "جينات الهروب"، وهي تلعب دورًا مهمًا في تنظيم نشاط جينات أخرى مسؤولة عن نمو الدماغ، وتكوين المشابك العصبية، ونقل الإشارات بين الخلايا العصبية، وهي جميعها عمليات ترتبط بشكل مباشر باضطراب طيف التوحد.
ويرى الباحثون أن امتلاك الإناث نسختين من كروموسوم "إكس" يمنحهن مستويات أعلى من نشاط هذه الجينات، ما يوفر نوعًا من "الاحتياط البيولوجي" الذي يساعد الدماغ على تعويض تأثير الطفرات الجينية الضارة. أما الذكور، الذين يمتلكون نسخة واحدة فقط، فلا يستفيدون من هذه الميزة.
التفسير قد يشمل اضطرابات أخرى
ولا يقتصر تأثير هذا الاكتشاف على التوحد فقط، إذ يعتقد الباحثون أن الآلية نفسها قد تفسر ارتفاع معدلات الإصابة لدى الذكور في عدد من الاضطرابات النمائية الأخرى.
وتشير الباحثة مايا تالوكدار إلى أن بعض الأمراض التي تظهر بصورة أكبر لدى الذكور، مثل تضيق بواب المعدة لدى الرضع، لا يمكن تفسيرها بالتحيز التشخيصي، ما يعزز فرضية وجود اختلافات وراثية حقيقية بين الجنسين.
نحو أدوات تشخيص أكثر دقة
وتفتح هذه النتائج الباب أمام تطوير وسائل تشخيص تراعي الفروق البيولوجية بين الذكور والإناث، بدلًا من الاعتماد على نموذج موحد قد لا يعكس الاختلافات في طريقة ظهور الأعراض.
كما قد يسهم فهم دور كروموسوم "إكس" وجينات الهروب في تحسين أساليب الكشف المبكر عن التوحد، إلى جانب توسيع فهم العلماء لعدد من الأمراض العصبية والوراثية التي تختلف معدلات انتشارها بين الجنسين.