عاجل

ليس كل ما يستحق الاكتشاف يختبئ في المتاحف أو بين دفات الكتب. أحيانًا يكفي أن تتوقف دقائق أمام حفل حنة في قرية، أو فرح شعبي في أحد الأحياء، لتكتشف أن جزءًا من الذاكرة المصرية ما زال حيًا... يغني.

المشهد :

 ثلاث سيدات من أعمار مختلفة يقفن في دائرة صغيرة، لا تفصل بينهن وبين الجمهور خشبة مسرح أو كشافات إضاءة. لا يحملن لافتة باسم فرقة، ولا ينتظرن مقدمًا يعلن عن بداية العرض. تبدأ إحداهن بالغناء، فترد عليها الثانية، ثم تلتحق بهما الثالثة، فينساب الغناء كما لو أنه حوار قديم تعرفه الأرواح قبل الآذان.

وصف الكلمات : 

الكلمات مألوفة، لكنها ليست عادية. فهي ابنة البيوت المصرية، والساحات الشعبية، وأفراح القرى، وليالي الحنة والطهور. أغنيات من قبيل: "يا اللي عالترعة حوّد عالمالح"، و"خدناها بالسيف الماضي وأبوها مكنش راضي"، و"صبّوا لأبوها يغسل... دي خدناها وضحكنا عليه". كلمات تبدو خفيفة الظل، لكنها تحمل في طياتها صورًا اجتماعية، وتعبيرات لغوية، ومواقف إنسانية، وذاكرة ممتدة عبر أجيال.

تحليل المشهد :

 اللافت في هذا المشهد أن هؤلاء النسوة لا يؤدين تراثًا كتبه آخرون، بل يصنعنه أيضًا. فالكلمات والألحان وطريقة الأداء والارتجال تنبع من خبرتهن، ومن احتكاكهن الطويل بالمناسبات الشعبية. إنهن لا يحفظن التراث فحسب، بل يواصلن إنتاجه، ويضيفن إليه كلما تغيرت الحياة وتبدلت حكايات الناس.

وأنا أتابع هذا المشهد، لم يخطر ببالي سؤال عن أسماء المغنيات أو عدد متابعيهن على منصات التواصل الاجتماعي، بل خطر لي سؤال آخر: لو كان زكريا الحجاوي بيننا اليوم، هل كان سيمر أمام هذه الفرقة دون أن يتوقف؟

يصعب تخيل ذلك.

فالحجاوي لم يكن مجرد باحث في التراث الشعبي، ولا مجرد كاتب أو إعلامي. كان صاحب مشروع ثقافي آمن بأن روح مصر الحقيقية لا تسكن في العاصمة وحدها، بل تتنفس في القرى والنجوع، وعلى ألسنة الحكائين، وفي مواويل الفلاحين، وأغنيات النساء، والسيرة الهلالية، ورقصات التحطيب، وكل ما يصنعه الناس بعيدًا عن الأضواء. لذلك لم ينتظر أن تأتي إليه هذه الفنون، بل خرج بنفسه يبحث عنها، يسجلها، ويوثقها، ويمنح أصحابها فرصة أن يسمعهم الوطن كله.

لم يكن يكتشف أصواتًا جميلة فحسب، بل كان يكتشف ذاكرة كاملة. كان يدرك أن الأغنية الشعبية ليست مجرد وسيلة للتسلية، وإنما وثيقة اجتماعية تحفظ اللغة، والعادات، وصور العلاقات الإنسانية، وطريقة المصريين في التعبير عن الفرح والحزن والحب والسخرية. ولهذا كانت رحلته في المحافظات رحلة بحث عن الإنسان المصري قبل أن تكون رحلة بحث عن الفن.

الرسالة والتاثير : 

بعد مرور عقود على هذا المشروع، يبدو أننا في حاجة إلى استعادته، لا بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل استجابة لحاجة الحاضر. فما زالت مصر تزخر بفرق شعبية، ومنشدين، وحكائين، وعازفي ربابة، ونساء يحفظن عشرات الأغنيات التي لم تُدوَّن في كتاب، ولم تُسجَّل في استوديو، لكنها تعيش لأنها تنتقل من جيل إلى جيل. غير أن كثيرًا من هذه الكنوز يظل حبيس دائرته الضيقة، لا يراه إلا أهل المكان، حتى يختفي أصحابه، فتختفي معهم صفحات كاملة من الذاكرة الشعبية.

المفارقة أن عصرنا، رغم ما يملكه من وسائل تسجيل ونشر لم تعرفها الأجيال السابقة، يبدو أقل اهتمامًا بالتقاط هذه الكنوز. فقد أصبحت الأضواء تتجه سريعًا نحو ما تصنعه الخوارزميات، بينما يظل التراث الحي بعيدًا عن عدسات الكاميرات، وكأنه لا يستحق الاكتشاف إلا بعد أن يصبح جزءًا من الماضي.

لهذا لا تبدو هذه الفرقة النسائية مجرد ثلاث سيدات يحيين المناسبات الشعبية، بل تمثل نموذجًا لعشرات وربما مئات النماذج الموزعة في محافظات مصر. خلف كل واحدة منهن حكاية، وخلف كل أغنية تاريخ، وخلف كل مثل شعبي خبرة إنسانية تراكمت عبر عشرات السنين. إنهن يحملن أرشيفًا شفهيًا لا يقل قيمة عن أي وثيقة مكتوبة، لكنه يبقى معرضًا للضياع إذا لم يجد من يصغي إليه، ويوثقه، ويقدمه للأجيال الجديدة.

ربما لا نحتاج اليوم إلى زكريا الحجاوي باعتباره شخصًا، فالرجال يرحلون، لكن الأفكار الكبيرة تبقى. ما نحتاجه حقًا هو أن يعود مشروعه؛ مشروع الباحث الذي ينزل إلى الناس قبل أن يدعوهم إلى المنصات، ويؤمن بأن الثقافة لا تُصنع في المكاتب وحدها، بل تولد أولًا في الشارع، وفي الحقول، وفي البيوت، ثم تنتظر من يكتشفها.

 

تم نسخ الرابط