مع انطلاق امتحانات نهاية العام للمراحل التعليمية الهامة، يظهر مشهد يتكرر حتى كاد يصبح مألوفًا. لا يكون بطل المشهد طالبًا متفوقًا ولا معلمًا مخلصًا، بل المراقب الذي يصر على أداء عمله بأمانة. هذا المراقب الذي كان يُنظر إليه يومًا باعتباره حارسًا للنظام والعدالة أصبح في نظر البعض عقبة ينبغي التخلص منها، أو على الأقل إبعاده عن اللجان التي تحتاج إلى بعض المرونة.
الغريب أن المشكلة لم تعد في الغش نفسه بل فيمن يمنعه، وكأن الأمانة أصبحت تهمة بينما صار التغاضي عن الخطأ فضيلة.
من المؤلم أن نرى كيف تبدلت بعض المفاهيم فالغش الذي كان يثير الخجل أصبح يجد من يبرره بل ومن يدافع عنه. بعض الطلاب يرونه حقًا إذا كان الامتحان صعبًا وبعض أولياء الأمور يعتبرونه وسيلة لإنقاذ مستقبل أبنائهم، وكأن النجاح أهم من الطريقة التي تحقق بها.
والنتيجة أن المراقب الأمين يجد نفسه في مواجهة لا مع طالب واحد، وإنما مع ثقافة كاملة تحاول أن تقنعه بأن تطبيق القانون قسوة، وأن الالتزام بالتعليمات نوع من التعنت.
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
فالمراقب الذي يمنع الغش لا يحارب الطلاب بل يحمي قيمة الاستحقاق. إنه يدافع عن حق الطالب المجتهد الذي أمضى عامًا كاملًا بين الكتب، حتى لا يتساوى مع من اختار الطريق الأسهل، وهو يحافظ على معنى العدالة لأن المجتمعات التي تتسامح مع الغش في قاعات الامتحان، يسهل عليها أن تتسامح معه في الوظيفة، وفي التجارة وفي الحياة العامة.
القضية إذن ليست ورقة إجابة ولا بضع درجات وإنما ضمير يتشكل.
فالطالب الذي يعتاد أن الوصول إلى الهدف يبرر الوسيلة، قد يحمل هذا المنطق معه إلى كل مراحل حياته. وحين يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو موظفًا أو مسؤولًا، لن يجد صعوبة في تجاوز القواعد إذا اعتقد أن النتيجة تستحق ذلك. ومن هنا تبدأ خسارة المجتمع، لا خسارة الامتحان.
لكن بينما تتراجع مكانة المراقب الأمين اجتماعيًا، يقترب تحدٍ آخر بصمت، وهو التطور التكنولوجي.
العالم يتغير بسرعة وكاميرات المراقبة أصبحت أكثر ذكاءً، وأنظمة الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على رصد الحركة وتحليل السلوك واكتشاف المخالفات بدقة كبيرة، ومن السهل أن نتخيل مستقبلًا تُدار فيه لجان الامتحانات بالكاميرات والأنظمة الذكية دون الحاجة إلى أعداد كبيرة من المراقبين.
قد يبدو هذا تطورًا طبيعيًا، لكنه يحمل سؤالًا مهمًا: لماذا وصلنا إلى مرحلة نفكر فيها في استبدال الإنسان بالآلة؟
الإجابة ليست في التكنولوجيا وحدها بل في المجتمع أيضًا، وعندما يتحول المراقب الأمين إلى شخص يتعرض للهجوم والضغط والاتهامات لأنه أدى واجبه، يصبح من الطبيعي أن تبحث المؤسسات عن بديل لا يتأثر بالمجاملات، ولا يخشى الانتقادات، ولا يتراجع أمام الضغوط.
الكاميرا لا تتعاطف ولا تخشى ردود الفعل، بل تؤدي مهمتها في صمت ثم تسجل الحقيقة كما هي.
لكن مهما بلغت التكنولوجيا من تطور ستظل عاجزة عن أداء المهمة الأهم.
فالكاميرا تستطيع أن تكشف الغش لكنها لا تستطيع أن تزرع الأمانة، وتستطيع أن توثق المخالفة لكنها لا تستطيع أن تربي ضميرًا حيًا، فالإنسان لا يصبح نزيهًا لأنه مراقب بل لأنه يؤمن أن النزاهة قيمة في ذاتها.
ولهذا فإن معركة الامتحانات ليست معركة تعليمية فقط وإنما معركة أخلاقية أيضًا. فإذا نجحنا في حماية قيمة الأمانة، فلن نخشى كثيرًا من وسائل الرقابة، أما إذا فقدنا هذه القيمة فلن تكفي آلاف الكاميرات لإصلاح ما أفسدته الثقافة.
إن الدفاع عن المراقب الأمين ليس دفاعًا عن موظف يؤدي عمله، بل عن فكرة أن المجتمع لا يزال يحترم الاستحقاق، ويؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يأتي بالغش وإنما بالاجتهاد. فالمراقب الأمين لا يحرس لجنة امتحان فحسب، بل يحرس معنى العدالة بين الطلاب، ويحافظ على الثقة في قيمة التعليم.
وربما يأتي يوم تختفي فيه وظيفة المراقب التقليدي، لتحل محلها أنظمة ذكية وكاميرات لا تغفل. لكن الخطر الحقيقي لن يكون في اختفاء المراقب، بل في اختفاء القيمة التي كان يمثلها.
فإذا جاء اليوم الذي لا نجد فيه من يدافع عن الأمانة، ولا من يرى في الغش عيبًا، فلن تكون هذه آخر أيام المراقب الأمين فقط، بل قد تكون بداية أيام أكثر صعوبة لمجتمع يربح الامتحان... ويخسر الضمير.