عاجل

هناك لحظات تتجاوز حدود الخبر العابر، لتتحول إلى وقفة تأمل أمام معاني الواجب والانتماء وقيمة الإنسان الذي يهب حياته من أجل الآخرين، ومن بين هذه اللحظات المؤثرة حادث حريق منشية ناصر، الذي استشهد خلاله اللواء الدكتور محمد الشربيني، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، وعدد من رجال الحماية المدنية، وهم يؤدون رسالتهم في إنقاذ الأرواح و الممتلكات، المشهد لم يكن مجرد حادث مؤلم، بل كان تجسيدا حيا لمعنى الدولة عندما تتقدم مؤسساتها الصفوف، ويكون رجالها على استعداد لدفع أغلى ثمن حفاظا على حياة المواطنين، وما بين ألسنة اللهب والدخان الكثيف، كانت هناك إرادة لا تعرف التراجع، وعقيدة مهنية تؤمن بأن إنقاذ حياة إنسان هو الواجب الذي يسمو فوق كل اعتبار.

إن استشهاد اللواء الدكتور محمد الشربيني في حادث منشية ناصر يحمل في طياته الكثير من الدلالات التي تذكرنا بتضحيات رجال الشرطة في ثورة 30 يونيو، تلك التضحيات التي أرست دعائم دولة أمنها واستقرارها بعد سنوات من الفوضى والاضطراب، وكما كان رجال الشرطة في مقدمة الصفوف دفاعا عن إرادة الشعب المصري في 30 يونيو، وانحيازهم لإرادة الأمة، ها هم اليوم يقدمون أرواحهم في مهامهم اليومية لحماية المواطنين من الأخطار التي تهدد حياتهم وممتلكاتهم وهذا الامتداد في روح التضحية يكشف عن تحول جوهري في هوية المؤسسة الأمنية، التي أصبحت بعد ثورة 30 يونيو مؤسسة ملك الشعب، تعمل لخدمته وحمايته، وتدفع في سبيل ذلك أثمن الأثمان.

إن الحديث عن شهداء الشرطة لا ينبغي أن يقتصر على مشاعر الحزن أو كلمات الرثاء، لأن هؤلاء يمثلون أحد الوجوه المضيئة للدولة المصرية الحديثة، تلك الدولة التي لا تقوم فقط على مؤسسات وتشريعات، وإنما تقوم في الأساس على رجال يحملون مسؤولياتهم بإيمان عميق، ويعتبرون أداء الواجب شرفا لا يقبل المساومة، كل عملية إطفاء أو إنقاذ هي معركة حقيقية مع خطر لا يمكن التنبؤ به، حيث تتغير الظروف في لحظة، وقد يتحول النجاح إلى استشهاد في ثوان معدودة، ومع ذلك لا يتردد هؤلاء في دخول الأماكن التي يهرب منها الجميع، لأن رسالتهم الإنسانية والوطنية تفرض عليهم أن يكونوا في مقدمة الصفوف دائما.
إن قيمة تضحيات شهداء الوطن لا تقتصر على ما يقدمونه من بطولات في لحظة الخطر، بل تمتد آثارها إلى ترسيخ ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة وقدرتها على مواجهة الأزمات، عندما يرى المواطن رجال الإنقاذ يواجهون النيران والانفجارات والمخاطر بأقصى درجات الشجاعة والانضباط، تتعزز لديه قناعة بأن هناك أجهزة تعمل بإخلاص لحماية الأرواح والممتلكات، مهما بلغت التحديات، كما تؤكد هذه المواقف أن بناء الدولة الحديثة لا يعتمد فقط على الخطط والمشروعات، وإنما يقوم أيضا على كفاءة العنصر البشري واستعداده للتضحية في سبيل أداء الواجب.

التجارب أثبتت أن الشعوب تقاس في أوقات المحن بقدرتها على التكاتف والاعتراف بفضل من يضحون من أجلها، والمجتمع المصري، على امتداد تاريخه، لم يتأخر يوما عن تقدير أبنائه الذين يقدمون أرواحهم دفاعا عن الوطن أو حماية للمواطنين، ولذلك فإن تخليد ذكرى شهداء الواجب يجب أن يتحول إلى ثقافة مجتمعية تعزز قيم الإخلاص والانضباط والمسؤولية، وتغرس في الأجيال الجديدة أن خدمة الوطن ليست كلمات تقال، وإنما مواقف تكتبها التضحيات.

ويبقى الدرس الأهم الذي يتركه لنا هؤلاء الشهداء أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، وإنما بما تملكه من رجال يؤمنون برسالتهم حتى النهاية، فالأوطان تبنى بالعمل، وتصان بالإخلاص، وتظل قوية بفضل من يضعون الواجب فوق المصلحة، والوطن فوق الذات ورغم قسوة الفقد، فإن عزاءنا أن مصر ستظل تنجب رجالا يحملون هذه الروح، ويواصلون أداء رسالتهم بكل شجاعة وتجرد، مؤمنين بأن حماية الإنسان هي أسمى صور الانتماء، وأن التضحية من أجل الوطن هي القيمة التي تبقى، بينما يرحل كل شيء آخر.

رحم الله شهداء الواجب، وجعل تضحياتهم نبراسا يعزز فينا الإيمان بأن بناء الدولة وحماية المجتمع مسؤولية مشتركة، وأن الوفاء لمن بذلوا أرواحهم من أجل مصر هو جزء أصيل من الوفاء للوطن نفسه.

تم نسخ الرابط