عاجل

فى كتاب التاريخ المصرى لم تكن ثورة 30 يونيو عام 2013 مجرد فصل بل كانت صرخة وجودية زلزلت أركان مشروع التفتيت الإقليمي وهبّة شعبية مدروسة قادتها الإرادة الحرة لتواجه سيناريوهات التحلل والانهيار التي عصفت بدول الجوار واختارت مصر شعباً وجيشاً أن تنتزع مصيرها من براثن الفوضى لتدشن "الجمهورية الجديدة" على ركائز صلبة من السيادة الوطنية والإنتاج التنافسي والريادة الاستراتيجية وأثبتت الثورة للعالم أن مصر لا تسقط وأن تاريخها الممتد لآلاف السنين يملك دائماً جينات التجدد الذاتي والقدرة على تحويل الأزمات الوجودية إلى انطلاقات تنموية هادرة، ونعرض لما يلى:-

أولاً: صمام الأمان وسط "حزام نارى" والاستقطاب الإقليمي : صمدت مصر كواحة للاستقرار السياسي والأمني في قلب منطقة جغرافية تحولت إلى "حزام نار" مشتعل بالحروب الأهلية والنزاعات المسلحة وتفكك مؤسسات الدولة الوطنية ونجحت الثورة في قطع دابر الفوضى العابرة للحدود وأعادت تثبيت أركان الدولة الوطنية القوية القادرة على حماية حدودها الاستراتيجية وذلك عبر تطوير القدرات العسكرية للجيش المصري وتنويع مصادر السلاح وتحولت مصر إلى قوة ردع إقليمية. كما استعادت مصر دورها كقائد إقليمي حيث قادت جهود الوساطة وحل النزاعات وأصبحت الحصن المنيع الذي يحول دون تمدد الإرهاب من الساحل والصحراء.

ثانياً: إعادة هندسة الاقتصاد من الركود الاستاتيكي إلى المنافسة الدولية:  كان الاقتصاد المصري قبل عام 2013 يعاني من حالة جمود واستاتيكية مفرطة مرتكزاً على الاستهلاك والاستيراد مع تآكل الاحتياطي النقدي وجاءت الثورة لتقود حركة إصلاح هيكلي غيرت هذه المعادلة عبر:-

-ديناميكية الإنتاج والتصدير: قفزت الصادرات المصرية غير البترولية لتتجاوز حدود الـ 52 مليار دولار في السنوات الأخيرة بفضل السياسات التحفيزية للمصانع المحلية وجذب استثمارات مباشرة وتدشين المجمعات الصناعية المتخصصة.

-البنية التحتية كمحفز استثماري: لم تكن مشروعات الطرق والطاقة والأنفاق والمدن الذكية التى تكلفت حوالى 11 تريليون جنيه مصرى مجرد مشاريع إنشائية بل كانت إعادة صياغة لجغرافية مصر الاقتصادية وتحولت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومنطقة العلمين الجديدة إلى نقاط جذب عالمية لسلاسل الإمداد الدولية مما منح مصر ميزة تنافسية لربط الأسواق الآسيوية بالأوروبية والإفريقية.

-الريادة التكنولوجية والمعرفية: قاد الاستثمار المكثف في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى تحويل مصر لمركز إقليمي للتعهيد وتصدير الخدمات الرقمية وطفرة في الأبحاث الدولية المنشورة وإطلاق مشروعات قومية وضعت مصر على خريطة اقتصاد المعرفة العالمي.

ثالثاً: صون الهوية والثقافة الوسطية للمجتمع المصري تمثل القوة الناعمة المصرية المرتكزة على الإرث الثقافي والفكري والديني الممتد لآلاف السنين الذراع الاستراتيجي الأقوى الذي مكن الدولة المصرية بعد الثورة من تفكيك الأيديولوجيات المتطرفة وإعادة صياغة الوعي الجمعي في المنطقة وفي بيئة إقليمية مضطربة عانت من ويلات الطائفية نجحت مصر في استخدام عناصر قوتها الناعمة لتقديم نموذج ملهم يدمج بين الحداثة والأصالة ويصون الهوية الوسطية.

  ولم تكن الثورة مجرد تغيير سياسي بل كانت ثورة ثقافية استعادت بها مصر أدوات تأثيرها الفكري والديني ووجهتها إقليمياً ودولياً من خلال محاور رئيسية مستدامة وأعظم معارك الثورة لم تكن سياسية أو اقتصادية فحسب بل كانت معركة الدفاع عن عقل ومستقبل المواطن المصري وحماية نسيجه الاجتماعي من الاختطاف الفكري حيث:-

1-واجهت الثورة محاولات تغيير هوية المجتمع وتجريف ثقافته القائمة على التسامح والتعايش وأعادت الثورة الاعتبار لمفهوم "المواطنة" الذي لا يفرق بين أبناء الوطن الواحد على أساس الدين أو العرق.

2-منحت الثورة دفعة قوية للمؤسسات التنويرية وفي مقدمتها الأزهر الشريف والكنيسة المصرية لتجديد الخطاب الديني ونشر قيم الوسطية والتصدي للأفكار المتطرفة والدخيلة.

3 – تصميم برامج حماية اجتماعية (حياة كريمة) أعادت دمج الفئات الأكثر احتياجاً في نسيج الدولة مما فوت الفرصة على جماعات الإرهاب الفكري التي كانت تستغل العوز الاقتصادي لنشر أجنداتها الهدامة.

رابعاً: آفاق المستقبل في ظل نظام عالمي جديد: يعيش العالم مخاض ولادة نظام دولي متعدد الأقطاب  مع توقعات بتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي إلى نحو 2.5% بسبب الأزمات الجيوسياسية بينما تقف مصر في موقع متميز لاقتناص فرص استراتيجية غير مسبوقة وذلك من خلال:-

-تأهيل البنية التحتية لمصر لتكون المورد الأساسي للطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر لقارة أوروبا مستغلةً موقعها الإستراتيجي  والعبقرى ووفرة مصادر الطاقة المتجددة (الشمس والرياح).

-في ظل رغبة القوى الكبرى في تقريب مصانعها من الأسواق الاستهلاكية توفر مصر بيئة آمنة واستقراراً سياسياً لجذب استثمارات صناعية ضخمة تبحث عن بدائل مستقرة خارج مناطق النزاع والتوتر الإقليمي.

 ونعرض لعدد من المبادرات لتعظيم المكتسبات الوطنية لتحويل الاحتفاء بذكرى الثورة إلى قوة دافعة ومستدامة للتنمية كالتالى:-

تأسيس "منتدى القاهرة للأمن القومي والتنمية المستدامة وهو تجمع فكري واستراتيجي سنوي يُعقد بالتزامن مع ذكرى الثورة ويستضيف قادة الفكر وصناع القرار عالمياً لتسليط الضوء على تجربة مصر كنموذج ملهم في مكافحة الإرهاب وبناء الدولة وسط بيئة مضطربة.

إطلاق مبادرة "درع الهوية الوطنية” من خلال برنامج ثقافي ومعرفي رقمي تقوده وزارة الثقافة بالتعاون مع الجامعات والشباب لإنتاج محتوى مرئي وتوثيقي بلغات متعددة يستهدف الأجيال الجديدة لتعزيز الوعي بالثقافة الوسطية المصرية وحمايتهم من الاختراق الفكري عبر الفضاء السيبراني.

تدشين "جائزة 30 يونيو للابتكار الصناعي والتصدير" وتمنح الجائزة للمشروعات الشبابية والشركات الناشئة التي تساهم في تعميق التصنيع المحلي ورفع القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق الدولية دعماً للتحول الكامل نحو الاقتصاد الديناميكي المنتج.

 وختاما، فان ثورة  30 يونيو 2013  لم تكن خيار سياسي بل كانت قدراً تاريخياً واستجابة حتمية لنداء البقاء والتطور وأثبتت مصر عبر عقد من الزمان أنها ليست مجرد دولة عادية بل هي حجر الزاوية الذي إذا تماسك استقر الشرق الأوسط وإذا تحرك غيّر وجه التوازنات الدولية كما أن صمود مصر وثباتها وسط طوق النيران الإقليمي وتحولها نحو اقتصاد منتج تنافسي يحمي هويته الوسطية المنفتحة على العالم يمثل شهادة ميلاد لـ "الجمهورية الجديدة" ومع بزوغ ملامح نظام عالمي جديد تتأهب مصر لتتبوأ مكانتها المستحقة كمنارة للاستقرار والتنمية وقوة اقتصادية وحضارية تلهم المنطقة والعالم.

تم نسخ الرابط