المحرصاوي.. الرئيس السابع عشر لجامعة الأزهر ورائد التطوير الأكاديمي والإداري
أصدرت جامعة الأزهر أول كتاب يجمع السير الذاتية لرؤسائها البالغ عددهم ثمانية عشر رئيسا على مدار خمسة وستين عامًا، وخلال السطور التالية نستعرض سيرة الرئيس السابع عشر لجامعة الأزهر وهو الدكتور محمد حسين المحرصاوي.
رئيس جامعة الأزهر السابع عشر الدكتور محمد المحرصاوي
ولد العالم الجليل الدكتور محمد حسين المحرصاوي، رئيس جامعة الأزهر السابع عشر، بمحافظة القاهرة في الحادي عشر من أغسطس عام 1962م لأسرة عريقة النسب ترجع أصولها إلى قرية المحرص بمركز ملوي بمحافظة المنيا، والتحق بمعهد القاهرة الأزهري، وأنهى مراحل التعليم قبل الجامعي فيه، ثم التحق بكليَّة اللغة العربية بالقاهرة، وتخرَّج فيها عام 1985م بتقدير جيد جدًّا. وعمل مدرِّسًا في المعاهد الأزهرية اعتبارًا من 1/ 1/ 1986م، حتى جاءه خطاب التعيين معيدًا بقسم اللغويات بكلية اللغة العربية بالزقازيق في 23 من أكتوبر عام 1989م.
وفي عام 1992م حصل الرئيس السابع عشر لجامعة الأزهر على درجة التخصص (الماجستير) عن رسالته: (دراسة المسائل النحوية والصرفية من كتاب شرح قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير؛ لابن هشام الأنصاري)، وكان مشرفه الأستاذ الدكتور سمير أحمد عبد الجواد، الأستاذ بقسم اللغويات بكلية اللغة العربية بالقاهرة.
وعين مدرسًا مساعدًا اعتبارًا من 13 /12/ 1992م، ونقل بعدها إلى قسم اللغويات في كلية اللغة العربية بالقاهرة اعتبارًا من 13/ 12/ 1995م، ولم تكد تمرُّ أربع سنوات، حتى حصل على العالِميَّة (الدكتوراه) بتقدير (مرتبة الشرف الأولى) عن رسالته: (الجزء الثاني من كتاب النبيل إلى نحو التسهيل للشيخ خالد الأزهري، دراسة وتحقيق)، وأشرف عليه إذ ذاك الأستاذ الدكتور صبحي عبد الحميد، الأستاذ بقسم اللغويات بكلية اللغة العربية بالقاهرة، فعين مدرسًا اعتبارًا من 30/ 6/ 1996م.
وأعير الدكتور المحرصاوي إلى المملكة العربية السعودية، فعمل في جامعة الملك خالد بأبها سنة (1999م)، ومكث فيها حتى سنة (2009م)، وأسهم في تطوير مقررات تلك الجامعة السعودية، وتحسن طرق التدريس وتعليم الطلاب، وإبان ذلك أنجز الشيخ أبحاثه العلمية؛ فنال درجة أستاذ مساعد في 5/ 9/ 2001م، ثم الأستاذية في 26 /1 /2008م.
وفي عام 2011م عُيِّن الدكتور محمد المحرصاوي، وكيلًا لكلية اللغة العربية بالقاهرة، ثم عميدًا يوم السابع عشر من أبريل عام 2013م، فأحدث فيها طفرة علمية وإدارية شَمِلَتْ: تجديد مكتبتها، وقاعاتها التعليمية، وظل عميدًا لها حتى عُين رئيسًا للجامعة.
وفي عام 2017م صدر قرار شيخ الأزهر الشريف بتكليف الدكتور المحرصاوي قائمًا بأعمال رئيس جامعة الأزهر اعتبارًا من 5 /5/ 2017م، في الخامس من مايو عام (2017م)، ولم يمرَّ شهرٌ حتى صدر قرار المهندس شريف إسماعيل، رئيس مجلس الوزراء، بتعيينه رئيسًا للجامعة، اعتبارًا من 5/6/ 2017م لمدة أربع سنوات، ولم تنته هذه المدة حتى صدر قرار الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، بالتجديد له في 5/ 6/ 2021م، لحين بلوغ السن القانوني للمعاش، فظل رئيسًا لها حتى 10/8/ 2022م.
وفي رئاسته للجامعة أخذ يطوِّر ما تمتدُّ إليه يده، ويصلح ما يبلغ إليه بصره؛ فطور المبنى الإداري وقاعات مجلس جامعة الأزهر، بالدورين: الثاني والرابع، وافتتح كليات جديدة؛ مثل: التربية للبنات، والتربية الرياضية للبنات بالخانكة، والصيدلة والتجارة والتربية للبنات بأسيوط، والتربية للبنين بأسيوط، وأعاد الدراسة إلى كليتي: الطب للبنات بأسيوط ودمياط. كما أنشئت خلال فترة رئاسة فضيلته شعبٌ جديدة؛ مثل: شعبة التربية الخاصة بكليات التربية، وشعبة القانون باللغات الأجنبية بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة، وافتتح ستة عشر معهدًا جديدًا؛ ليواكب سوق العمل؛ منها: معهد فني المختبرات، ونظم المعلومات.
كما حصلت في عهد فضيلته أربع وعشرون كلية على شهادة ضمان الجودة والاعتماد من الهيئة القومية لضمان الجودة والاعتماد التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، واعتمد توحيد الكتاب المقرر على طلاب الكليات الشرعية والعربية، وسعى حثيثًا في تحديث المناهج الشرعية والعربية؛ لتتوافق مع تخصصات الطب والهندسة والصيدلة.
وأنشأ الرئيس السابع عشر لجامعة الأزهر، "كباري" للمشاة حول جامعة الأزهر والمدينة الجامعية بالقاهرة؛ للحفاظ على أرواح الطلاب، وافتتح المقر الإقليمي لاتحاد الجامعات الإفريقية في: 12/ 3/ 2019م، وأعدَّ أربعة معامل مركزية للاختبارات الإلكترونية بالقاهرة والوجهين البحريِّ والقبليِّ، وافتتحهم عام (2021م)، وسعى للعمل على التحول الرقمي؛ فجعل عمليات التسكين في المدن الجامعية؛ كالتقديم والدفع والتسكين عبر موقع الجامعة الإلكتروني، وأنشأ المكتبة الرقمية؛ لمساعدة أعضاء هيئة التدريس في فحص نسبة الاقتباس العلمي للأبحاث والرسائل الجامعية، ولتقييم المجلات العلمية بشتى قطاعات الجامعة، ولفحص وتقييم مجلات قطاعات: الطب، والعلوم، والصيدلة، والأسنان.
كما أنشأ فضيلته مركز قواعد بيانات الرسائل العلمية بكلية الدراسات العليا؛ لتيسير حصول الباحثين على براءات التسجيل على اختلاف التخصصات، وصدر في عهده مجلة (الملتقى)؛ لتوثيق تاريخ الجامعة وحاضرِها، واعتمد التعليم الهجين (التقليدي - الإلكتروني)، وأنشأ نحوًا من مائتي ألف (200000) بريد إلكتروني جديد في فترة قصيرة.
وفي عهد فضيلة الدكتور محمد المحرصاوي- الرئيس السابع عشر للجامعة- زاحمت جامعة الأزهر الجامعات العالمية؛ فاختيرت ضمن عشرة آلاف جامعة على مستوى العالم في ذلك التصنيف الأمريكي us news عام 2018م، وظهرت لأول مرة في تصنيف (تايمز) الأمريكي للجامعات العالمية في العام نفسه، وتصدَّرت الجامعة تصنيف الجامعات الإفريقية؛ فكانت صاحبة المركز الأول، ونالت التكريم في الملتقى الدولي للتعليم العالي؛ إذ حققت إنجازًا في تصنيف الجامعات العالمي Qs عام 2020م، كما نالت التكريم في مؤتمر إعلان نتائج تصنيف Qs العالمي للجامعات الذي عقد في دبي عام 2021م، وتصدرت مجلات القطاعات العربية والشرعية والعلوم الاجتماعية الاستشهادات المرجعية باللغة العربية في بنك المعرفة المصري على مستوى الجامعات المصرية.
وسافر الدكتور المحرصاوي -رحمه الله- إلى: روما، وإندونيسيا، وماليزيا، وتايلاند، وبروناي، والإمارات، وكازاخستان، وأوزبكستان، وما قصد من أسفاره تلك إلا نفع الناس، ونشر العلم، فكان حريصًا أشدَّ الحرص على إلقاء المحاضرات العلمية في كل المحافل الدولية. وفي عام 2019م، صدر له قرار فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، بالإشراف العام على مركز الأزهر العالمي للرصد والفتوى الإلكترونية، بجانب عمله رئيسًا للجامعة اعتبارًا من 13/ 1/ 2019م، ونال خلال رحلته الجامعية عضويات المجامع البحثية والتخصصية، فكان عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية، وعضوًا بمجلس إدارة اتحاد الجامعات الإفريقية، وعضو اللجنة العليا لتنفيذ أهداف وثيقة الأخوة الإنسانية، وعضو الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد (التعليم الجامعي الأزهري) منذ عام: 2014م، ونائب الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية.
ولما آذن الله بانقضاء مدة رئاسته للجامعة كرمته هيئة كبار العلماء؛ تقديرًا لجهوده، فكرَّمه في اجتماعها فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف رئيس الهيئة، وعيِّن نائبًا لرئيس المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، وانتدب رئيسًا للأكاديمية العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى بالأزهر اعتبارًا من 16 /7/ 2024م.
أثرى الدكتور المحرصاوي المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات العلمية، نذكر منها: تحقيقه كتابَ السيوطي: رفع السنة في نصب الزنة، وفوح الشذى بأحكام (عسى) دراسة تفصيلية، ومن أثر الكتاب في اختلاف أولي الألباب دراسة نحوية وصرفية، ورؤى نقدية في تحقيقات كتب تراثية، وشرح الملوكي في التصريف لابن يعيش تحقيق ودراسة، وكشف اللثام عما تحت (رُبَّ) من الأحكام، ومنهج ابن القواس بين شرحي الألفية والكافية عرض وتحليل.
وأشرف على عشرات الرسائل، وشارك في مناقشات عدة؛ منها: إشرافه على رسالة التخصص (الماجستير) للباحث ييسيف عيسى بن عيسى- من دولة بنين- عن رسالته: "الاتجاهات الكوفية عند ناظر الجيش في تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد "عرضًا ومناقشة"، وعلى رسالة التخصص (الماجستير) للباحث عبد الرحمن عادل محمد عن رسالته: "التوجيه النحوي والصرفي لرواية الأصيلي (ت 392هـ) لصحيح البخاري بين ابن حجر والعيني"، وإشرافه على رسالة التخصص (الماجستير) للباحث محمود حميدة عن رسالته: "أجوبة الفارسي عن أسئلة ابن جني، جمعًا ودراسة"، ومناقشته لرسالته في العالمية (الدكتوراه) بعنوان: (تعقب العيني للكرماني في إعرابه صحيح البخاري)، كما أشرف على رسالة العالمية (الدكتوراه) للباحث محمد أحمد عبد الفتاح مصطفى حبيب، عن رسالته: "الموازنة بين شرحي المرادي والشاطبي على ألفية ابن مالك".
وفي يوم الخميس، السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم 1446هـ، الموافق السابع والعشرين من مارس عام 2025م، انتقل إلى جوار الله ورضوانه، حيث صُلي عليه في مشهد حاشد من العلماء عقب صلاة الجمعة بالجامع الأزهر، وحضر الصلاة عليه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، وقيادات الأزهر الشريف، وحشد حاشد من طلاب الأزهر المصريين والوافدين، ثم دفن في مدفنه بمدينة 15 مايو بحلوان، وأقيم العزاء في اليوم نفسه بمسجد الزهراء بجامعة الأزهر.