حملة الاعتقالات الواسعة التي يقودها رئيس الوزراء العراقي، والتي تعرف بـ "صولة الفجر"، بمعنى ضربة الفجر، تمثل خطوة كبيرة وغير مسبوقة في المشهد السياسي العراقي. هذه الحملة جاءت لمعاقبة وللقبض على من يتهمهم النظام بالفاسدين، وهي لا تشبه سابقاتها؛ إذ شملت نواباً في البرلمان، ووزراء، ومسؤولين تنفيذيين، وأسماء شهيرة جداً كانت حتى وقت قريب فوق الشبهات أو محمية بالخطوط الحمراء.
إن الحديث اليوم في الشارع العراقي والعربي يدور حول صفقات بملايين الدولارات، وضبط كميات ضخمة من الأموال السائلة والذهب في منازل ومكاتب عدد من النواب والنائبات والوزراء. هذه الحملة تكشف بوضوح أن الأوضاع في عدد كبير من دول المنطقة ليست هي الأفضل، وتضع الإصبع على الجرح الغائر: التشابك الكبير والخطير بين المصالح المالية والنفوذ السياسي.
هذا التزاوج غير الشرعي بين السلطة والمال يفسر اللغز الذي طالما يحير الشارع: كيف لنواب ونائبات في البرلمان – من المفترض أنهم ممثلون للشعب ومراقبون على أدائه – أن تتضخم ثرواتهم بهذه الصورة الفلكية؟ ومن أين أتوا بهذه الأموال؟
رئيس مجلس الوزراء العراقي الحالي هو علي فالح الزيدي؛ تولى المنصب في 14 مايو 2026 بعد نيل حكومته ثقة مجلس النواب العراقي خلفاً لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وهو من يقود حالياً حملة "صولة الفجر" (أو ضربة الفجر) لمكافحة الفساد.
التحقيقات تكشف أن النفوذ السياسي تحول لدى البعض إلى "أداة استثمارية"، عبر آليات متعددة تشمل:
الابتزاز السياسي: ومساومة الوزراء والمسؤولين بملفات الاستجواب مقابل الحصول على عمولات وعقود.
المكاتب الاقتصادية للأحزاب: من خلال تمرير المشاريع الكبرى لشركات واجهة تابعة لكتل سياسية نافذة.
المحاصصة والتعيينات: عن طريق بيع المناصب الحيوية في قطاعات الدولة المختلفة لمن يدفع أكثر.
شرارة البداية: كيف بدأت القصة؟
القصة بدأت بشكل دراماتيكي عندما تم إلقاء القبض على وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع، ومسؤولين آخرين في قطاع الطاقة. أدى هذا الخيط إلى فتح صندوق "باندورا" للأسرار؛ حيث ضبطت السلطات بحوزة المتهمين الأوائل مبالغ نقدية هائلة (تجاوزت ملايين الدولارات والمليارات من الدنانير العراقية)، بالإضافة إلى وثائق ملكية لعقارات ضخمة داخل العراق وخارجه.
ومن خلال اعترافات المتهمين وتتبع حركة الأموال وغسيلها، توسعت الدائرة بسرعة لتتدحرج كرة الثلج وتطال عشرات الأسماء البارزة في البرلمان والحكومة.
أمام هذا المشهد المعقد، يواجه رئيس الحكومة العراقية تحدياً كبيراً لإثبات استمرارية هذه الحملة وعدم خضوعها للتسويات السياسية المعتادة. وقد جاءت تصريحاته حازمة وقاطعة حين أكد: "أنه لن يفلت من العقاب كل من تورط في الفساد"، معتبراً أن هذه الاعتقالات ما هي إلا "مرحلة أولى" لتطهير مؤسسات الدولة واستعادة هيبتها وأموالها المنهوبة.
إن "صولة الفجر" تضع العراق أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تنجح الدولة في تفكيك شبكات الفساد العميقة التي تزاوجت فيها السلطة بالمال، وإما أن تصطدم بحوائط الصد السياسية والمحاصصة. لكن الأكيد، أن ما كشفته هذه الحملة حتى الآن يعري واقعاً مأساوياً عن حجم الأموال التي حُرمت منها مشاريع التنمية والإعمار، وذهبت لخزائن الحصانات السياسية.