عاجل

يثير تزايد الجرائم الجسيمة التي يرتكبها بعض الأطفال تساؤلاً مهماً حول مدى سلطة المشرع في تقرير تدابير جنائية أكثر صرامة تجاه الطفل الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة إذا ارتكب فعلاً بالغ الخطورة، ومدى توافق ذلك مع أحكام الدستور المصري والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الطفل.

والثابت أن الدستور المصري وقانون الطفل المصري استقرا على اعتبار كل من لم يبلغ الثامنة عشرة طفلاً، وهو ذات التعريف الذي تبنته اتفاقية حقوق الطفل في مادتها الأولى، والتي نصت على أن الطفل هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه.

غير أن تحديد سن الطفل بثمانية عشر عاماً لا يعني منح الطفل حصانة مطلقة من المساءلة أو منع الدولة من تقرير تدابير جنائية خاصة تتناسب مع جسامة الفعل المرتكب. وطبقاً لظروف وتغير ظروف كل مجتمع واحتياجاته، فالاتفاقية الدولية لم تحظر تشديد التدابير أو تعديل أساليب المساءلة بالنسبة لبعض الجرائم الخطيرة، وإنما اشترطت أن تتم معاملة الطفل بما يراعي كرامته الإنسانية وإعادة تأهيله وإعادة دمجه في المجتمع.

كما أن الاتفاقية لم تفرض على الدول نظاماً عقابياً واحداً، وإنما تركت لها سلطة تقديرية واسعة في تنظيم المسؤولية الجنائية للأطفال وفقاً لخصوصية كل مجتمع، شريطة عدم النزول عن الحد الأدنى للضمانات المقررة للأطفال وعدم المساس بصفة “الطفل” ذاتها.

ومن ثم، فإن الإبقاء على سن الطفولة حتى الثامنة عشرة يعد التزاماً دولياً لا يجوز للدولة الانفراد بتعديله بالمخالفة للاتفاقية الدولية، إلا في إطار تعديل دولي للاتفاقية ذاتها أو وفق الآليات القانونية الدولية المقررة لذلك، حتى لا تقع الدولة في حالة مخالفة لالتزاماتها الدولية أو تنشأ شبهة تعارض مع النصوص الدستورية التي أوجبت احترام الاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها الدولة (حتى وإن كانت غير إلزامية، لكن مهم جداً عدم انحرافنا عنها ولو أدبياً).

إلا أن هذا الالتزام أو الواجب لا يمنع المشرع من وضع نظام قانوني خاص يقرر تدابير أو جزاءات أكثر حزماً بالنسبة للأطفال مرتكبي الجرائم الجسيمة قبل بلوغ الخامسة عشرة، طالما لم يؤد ذلك إلى إنكار صفة الطفل عنهم أو إهدار الضمانات الدستورية المقررة لهم.

وبالتالي، فإن التفرقة بين أمرين تعد أمراً جوهرياً:

أولاً: تعديل سن الطفولة، وهو أمر يرتبط بالالتزامات الدولية والدستورية ولا يجوز المساس به بإرادة تشريعية منفردة بما يخالف الاتفاقيات النافذة.

ثانياً: تنظيم المسؤولية الجنائية للطفل وتقرير تدابير أكثر صرامة في الجرائم الجسيمة، وهو أمر يدخل في نطاق السلطة التقديرية للمشرع ولا يتعارض في ذاته مع الدستور أو المواثيق الدولية، متى التزم بضمانات المحاكمة العادلة ومبادئ التناسب والمصلحة الفضلى للطفل وهي فقط محل تفسير الاتفاقيات الدولية.

وعليه، فإن القول بجواز فرض تدابير جنائية مشددة على الطفل مرتكب الجريمة الجسيمة قبل بلوغه الخامسة عشرة لا يتعارض مع الدستور المصري أو مع الاتفاقيات الدولية، طالما بقيت صفة الطفولة قائمة حتى سن الثامنة عشرة، وظلت التدابير المقررة محققة للتوازن بين حماية المجتمع وحق الطفل في الإصلاح وإعادة التأهيل.

ورغم جواز أن يقرر المشرع تدابير أو جزاءات أكثر صرامة تجاه الطفل الذي يرتكب جريمة بالغة الجسامة، فإن ذلك يظل مقيداً بضمانات دستورية ودولية جوهرية، يأتي في مقدمتها الحظر المطلق لتوقيع عقوبة الإعدام على الطفل (أو السجن مدى الحياة مثلاً، وفي جميع الأحوال لا يطبق عندنا).

فقد قررت اتفاقية حقوق الطفل في المادة (37) أنه: «لا تفرض عقوبة الإعدام ولا السجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج على الجرائم التي يرتكبها أشخاص تقل أعمارهم عن ثماني عشرة سنة». ويعد هذا الحكم من المبادئ الأساسية في العدالة الجنائية الخاصة بالأطفال، ويلتزم به كل تشريع وطني صادق على الاتفاقية.

كما أن فلسفة قانون الطفل تقوم على أن الطفل، مهما بلغت جسامة الجريمة التي ارتكبها، يظل شخصاً في طور التكوين والنضج، بما يقتضي إعطاء الأولوية لإعادة التأهيل والإصلاح والاندماج المجتمعي، وليس القضاء النهائي على حقه في الحياة أو معاملته معاملة البالغين في أقصى العقوبات.

ومن ثم، فإن بقاء صفة الطفولة حتى سن الثامنة عشرة يترتب عليه حظر توقيع عقوبة الإعدام على من ارتكب الجريمة قبل بلوغه هذا السن، حتى ولو كانت الجريمة من أشد الجرائم خطورة. غير أن هذا الحظر لا يمنع الدولة من تقرير تدابير جنائية مشددة كما ذكرت سلفاً، أو جزاءات سالبة للحرية، أو تدابير إصلاحية خاصة تتناسب مع خطورة الفعل الإجرامي، شريطة ألا ترقى إلى عقوبة الإعدام أو أي عقوبة تتعارض مع الكرامة الإنسانية أو الضمانات المقررة للأطفال.

وعليه، فإن التوفيق بين حماية المجتمع من الجرائم الجسيمة وبين احترام حقوق الطفل يقتضي التمييز بين أمرين: الأول، عدم جواز توقيع عقوبة الإعدام على الطفل التزاماً بالدستور والمواثيق الدولية؛ والثاني، جواز تشديد التدابير الجنائية المقررة له بما يحقق الردع والحماية المجتمعية دون المساس بالحقوق الأساسية التي كفلتها الاتفاقيات الدولية.

وللعلم، هناك إعادة وتعديلات تمت في التشريعات عند بعض الدول التي شددت المسؤولية الجنائية للأطفال في الجرائم الجسيمة مع استمرار حظر عقوبة الإعدام عليهم، وأرى أنه حان الأوان لتطبيق ذلك عندنا.

تم نسخ الرابط