عاجل

قارة آسيا.. شراكات استراتيجية تقود الاقتصاد المصري نحو آفاق تنموية مستدامة

نسرين فوزي
نسرين فوزي

تتميز العلاقات الاقتصادية بين مصر وقارة آسيا بعمقها الاستراتيجي، وتحولها من روابط تجارية تقليدية إلى شراكات تنموية شاملة ومستدامة .. حيث تشكل آسيا ركيزة أساسية لتنويع الشراكات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ونقل التكنولوجيا المتقدمة لتوطين الصناعات المحلية. 

يجمع هذا التعاون بين الموقع الجغرافي المتميز لمصر كبوابة تاريخية للتجارة العالمية ومحور قناة السويس، وبين القوة الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة للعملاق الآسيوي، مما يوفر نموذجا فريدا للتعاون الإقليمي يحقق المصالح المشتركة ويدعم خطط التنمية المستدامة.. فيما  يلي أبرز الشراكات المصرية الآسيوية

أبرز الشراكات المصرية الآسيوية

روسيا: ارتقت العلاقات بين القاهرة وموسكو إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة القائمة على أبعاد جيوسياسية واقتصادية بالغة التعقيد والأهمية .. حيث تتقاطع الرؤية المصرية بتنويع البدائل الاقتصادية والتكنولوجية وتأمين مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد، مع الرؤية الروسية الهادفة لتعزيز حضورها كشريك موثوق في النظام الدولي متعدد الأقطاب. وفقا لذلك، تشهد هذه الشراكة نموا ملحوظا مدفوعا بآليات عمل مشتركة وتنسيق رفيع المستوى بين البلدين .. فقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين حاجز 6.6 مليار دولار، وتعمل في السوق المصرية أكثر من 460 شركة برأسمال روسي في قطاعات متنوعة. واليوم، تترجم هذه الشراكة الاستراتيجية إلى مشروعات عملاقة على أرض الواقع .. كالآتي:

(1) محطة الضبعة النووية: يُعد المشروع الأضخم لروسيا في منطقة الشرق الأوسط، ويتضمن بناء أول محطة مصرية لتوليد الكهرباء من الطاقة النووية بمدينة الضبعة، مما يوفر  لمصر طاقة نظيفة ومستدامة تدعم طفرتها الصناعية لقرن قادم.

(2) المنطقة الصناعية الروسية (Riz): مشروع استراتيجي ضخم في منطقة شرق بورسعيد داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس .. وقد تم تخصيص مساحات شاسعة لاستيعاب المصانع الروسية المتخصصة في مجالات هندسة السيارات، والمعدات الزراعية، والصناعات الدوائية، والبتروكيماويات. تُمثل هذه المنطقة منصة لروسيا للنفاذ إلى الأسواق الإفريقية والعربية، وذلك في إطار اتفاقيات التجارة الحرة التي تتمتع بها مصر (مثل الكوميسا والشراكة العربية)، وتساهم أيضا في توطين التكنولوجيا وتوفير آلاف فرص العمل. ومن المتوقع أن يجذب المشروع استثمارات تصل إلى 4.6 مليار دولار بحلول عام 2035، وتصل استثمارات البنية التحتية  والمرافق إلى 6.9 مليار دولار.

(3) تطوير وتحديث قطاع السكك الحديدية: تتركز شراكات مصر وروسيا في هذا  المجال على تحديث أسطول النقل وتوطين الصناعة، أبرزها: صفقة 1300 عربة، والتي تتضمن توريد وتصنيع عربات ركاب جديدة، مع الالتزام بنقل الخبرات الفنية وإدارة خدمات الصيانة، لضمان استدامة تشغيل الأسطول.

(4) الشراكة الغذائية: يُمثل التعاون في مجال الأمن الغذائي وتجارة الحبوب أحد أهم ركائز الشراكة الاستراتيجية بين مصر وروسيا، لاسيما في ضوء الدور المحوري الذي تلعبه روسيا باعتبارها من أكبر الدول المصدرة للحبوب عالميا، وما تُمثله مصر من سوق رئيسي ومحوري بمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.

الصين: ترتبط مصر والصين بعلاقات اقتصادية وثيقة، حيث تُعد الصين الشريك التجاري الأكبر لمصر، مع وصول حجم التبادل التجاري إلى نحو 16.1 مليار دولار .. ويشهد التعاون تطورا مستمرا عبر استثمارات ضخمة واتفاقيات استراتيجية في قطاعات البنية التحتية، والطاقة المتجددة، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وقد اكتسب هذا التحالف زخما عقب توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة في عام 2014، والتي تزامنت مع إدراج مصر رسميا كركيزة أساسية في مبادرة "الحزام والطريق Belt and Road Initiative" الصينية .. حيث تستند هذه الشراكة في المبادرة إلى الموقع الفريد لقناة  السويس باعتبارها الممر الملاحي الأهم، لربط طريق الحرير البحري الصيني بالأسواق الأوروبية والإفريقية.

وبالطبع، يتكامل هذا التعاون مع "رؤية مصر 2030" التي تهدف إلى تحويل منطقة القناة إلى  مركز لوجستي وصناعي عالمي، مما جعل مصر مقصدا رئيسيا للاستثمارات والتمويلات القادمة من بكين، لتدشين مشروعات البنية التحتية. وبالفعل، تم تدشين عددا من المشروعات التي حققت طفرة على أرض الواقع، أبرزها:

(1) منطقة تيدا الاقتصادية: تُعد المنطقة الصناعية الصينية (TEDA) في المنطقة  الاقتصادية لقناة السويس، حجر الزاوية في التعاون الاستثماري بين البلدين، ومحرك رئيسي لـ "طريق الحرير البحري. وقد نجح المشروع في جذب استثمارات صينية بمليارات الدولارات، وتوطين عددا من الصناعات الاستراتيجية.

(2)  قطاع النقل الذكي: تم تنفيذ مشروع القطار الكهربائي الخفيف (LRT)، الذي يربط  القاهرة الكبرى بالعاصمة الإدارية والعاشر من رمضان، عبر تحالف من الشركات الصينية، وبتمويل من بنك الصادرات والواردات الصيني. ويُمثل هذا المشروع نموذجا لنقل تكنولوجيا النقل النظيف والذكي إلى مصر.

الهند: تشهد العلاقات الاقتصادية بين مصر والهند تحولا جذريا متسارعا، يرتقي إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية" .. حيث تكمن القوة الدافعة لهذه الشراكة في التكامل البنيوي بين اقتصادين صاعدين، ففي حين تمثل الهند قوة تكنولوجية وصناعية وبشرية عملاقة على الساحة الدولية، توفر مصر موقعا استراتيجيا كبوابة لوجستية للمستثمر الهندي نحو أسواق إفريقيا وأوروبا، مدعومة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وشبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة.

وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 4.2 مليار دولار، مع استهداف مشترك للوصول به إلى 12 مليار دولار .. كما تتجاوز الاستثمارات الهندية المباشرة في مصر 5 مليار دولار عبر حوالي 70 مشروعا هنديا، أبرزها: 
(1) مشروع " تي سي آي سانمار" للكيماويات، والذي يُعد أضخم استثمار هندي في مصر بحجم استثمارات يقترب من 1.6 مليار دولار. (2) مشروع شركة "Ocior Energy"، التي وقعت اتفاقيات إطارية لإنشاء محطة لإنتاج الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باستثمارات تُقدر بنحو 4.2 مليار دولار. (3) مشروع "GennVax وZydus"، تم توقيع شراكة استراتيجية لتصنيع اللقاحات والأدوية في مصر، وذلك من خلال نقل التكنولوجيا الهندية المتقدمة إلى خطوط الإنتاج المصرية، مما يُعزز الأمن الدوائي ويفتح أسواقا للتصدير نحو إفريقيا.

في الوقت ذاته، تشهد الاستثمارات المصرية المباشرة في السوق الهندي نموا ملحوظا برأسمال يتجاوز 37 مليون دولار .. ومن أبرز الشركات الاستثمارية المصرية التي نجحت في تأسيس مصانع ومراكز إقليمية في الهند: مجموعة "السويدي إليكتريك"، وشركة "كابسي للدهانات"، وغيرها.

تم نسخ الرابط