"أم الأزهريين".. 41 عاماً من طاقة الأمومة البديلة داخل أروقة المعاهد الأزهرية
في الممر المؤدي إلى الفصول الدراسية بأحد المعاهد الأزهرية، لا تخطئ عينك ذلك الحنان المتدفق الذي يملأ المكان، هنا تقف الحاجة سهير عبد السلام، السيدة التي لم تنجب أطفالاً يحملون اسمها، لكنها حظيت بأكبر عائلة يمكن لامرأة أن تتمناها؛ عائلة قوامها الآلاف من طلاب واطفال الأزهر الشريف الذين أطلقوا عليها عن جدارة لقب "أم الأزهريين".
على مدار 41 عاماً، تحول المعهد الأزهري من مجرد مكان عمل للحاجة سهير إلى بيتها الأول ومستقر قلبها، في قصة إنسانية ملهمة تجسد كيف يمكن لـ "غريزة الأمومة" أن تتجاوز حدود الدم لتشمل مئات الأطفال.
رحلة الصبر.. من وجع الفقد إلى رحابة العطاء
لم يكن مشوار الحاجة سهير مفروشاً بالورود؛ بل بدأ باختبار قاسٍ لصبرها وإيمانها، فقدت نعمة الأمومة البيولوجية بعد أن تكرر إجهاضها لست مرات متتالية، وفي كل مرة كان يرحل فيها جنينها، كان ينفطر معها جزء من قلبها، حتى استسلمت تماماً لقضاء الله وقدره، ورضيت بحكمته
بدلاً من أن ينقلب هذا الحرمان إلى عزلة أو يأس، قررت سهير أن تهب تلك الأمومة الفطرية الساكنة في أعماقها إلى أطفال الأزهر الشريف.
وفى حديثها قالت أم الأزهريين .. لقد اعتبرت كل طفل يخطو عتبة المعهد هو ابنى الذي لم انجبه، وبدأت رحلة فريدة من العطاء بقلب أم حانية لا تعرف الكلل.
وأضافت .. "لم يرزقني الله بأبناء من صُلبي، ولكنه عوضني بآلاف الأبناء.. كل طفل في الازهر هو قطعة من قلبي.
مكتب "أم الأزهريين".. ملاذ دافئ وخزانة طوارئ
لم تكتفِ الحاجة سهير بأداء واجبها الوظيفي التقليدي، بل ابتكرت لنفسها دوراً إنسانياً فريداً. قامت على نفقتها الخاصة بشراء أعداد من الزي الأزهري الرسمي للأطفال، واحتفظت بها داخل مكتبها، تحول مكتبها الصغير إلى ما يشبه "غرفة الطوارئ الحانية" حيث تقوم بنفسها بغسل الملابس كيّها، وتجهيزها لتبدو في أبهى صورة.
تلجأ إليها إدارة المعهد والطلاب لتجهيز الأطفال الذين يقدمون طابور الصباح والإذاعة المدرسية ليظهروا بالمظهر اللائق، و أي طفل يتسخ زيه أثناء اللعب، أو ينسى قطيفة من ملابسه، يهرع فوراً إلى مكتب "ماما سهير" ليجد البديل جاهزاً ومعطراً بنفحات حبها.
القصة لم تنتهِ عند بلوغ السن القانونية للمعاش، فحينما حانت لحظة التقاعد الرسمية، رفض قلب "أم الأزهريين" فكرة الغياب عن المعهد، تماماً كما رفض الأطفال فكرة رحيلها، قررت الحاجة سهير التطوع للاستمرار في عملها بدون أي مقابل مادي، فقط لتظل بجانب أطفالها. لم تستطع التخلي عن ضحكاتهم وصخبهم البريء، ولم يستطع الأطفال أو إدارة المعهد الاستغناء عن وجودها الدائم كصمام أمان عاطفي في المكان.