حتى قبل سنوات قليلة لم أكن أتخيل أن تربطني أي علاقة بالمشروعات والاستثمار وريادة الأعمال.. هكذا نشأتُ أركن للاستقرار وعدم المخاطرة، لكن موقفين غيَّرا طريقة تفكيري.
الأول عندما دعتني ابنتي لمتابعة المسلسل الكوري “Start-Up”، الذي حقق نجاحًا عالميًا على منصة “نتفليكس”، حتى أصبح الشباب يتحدثون عن الشركات الناشئة، ورأس المال الملائكي، والابتكار، وجذب المستثمرين، في نموذج يعكس كيف تصدرت ريادة الأعمال المشهد الاقتصادي العالمي، بعدما أصبحت أحد أهم محركات النمو والتنمية وخلق فرص العمل، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
أما الموقف الثاني، فكان عندما فضّل ابني طريق ريادة الأعمال على مسار الوظائف التقليدية، ولم يُبدِ أي حماس لفكرة “الوظيفة المضمونة”. وفور تخرجه في كلية الهندسة، أعلن رغبته في تأسيس شركة مع زملاء له من السعودية وألمانيا، مؤمنًا بأن المستقبل يُصنع بالمبادرة والابتكار، لا بانتظار فرصة عمل.
وقتها أدركت أن الزمن قد تغير، وأن مستقبل الشباب لم يعد مرتبطًا بالبحث عن وظيفة تقليدية، لا تقنعهم مرتباتها الثابتة ولا مواعيدها الرتيبة، بل أصبحوا يسعون إلى آفاق أرحب، يصنعون فيها أفكارهم، ويؤسسون مشروعاتهم، ويخلقون فرص العمل بدلاً من انتظارها.
تذكرت كل هذه التفاصيل وأنا أشارك في تنظيم الإعلان عن استضافة مصر للمهرجان العالمي لريادة الأعمال GEF 2026، وهو الحدث الذي يؤكد المكانة المتنامية لمصر كمركز إقليمي للاستثمار والابتكار، ويعكس الثقة الدولية في قدرتها على استضافة أحد أكبر التجمعات العالمية المعنية بمستقبل ريادة الأعمال، وتمكين الشباب، وتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد.
ويُعلن اليوم رسميًا عن تفاصيل هذه الاستضافة التي نجح في اقتناصها لمصر رجل الأعمال باهر غبور، رئيس النسخة المصرية للمهرجان، بعد منافسة إقليمية ودولية قوية، وذلك خلال مؤتمر يُعقد تحت رعاية الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وبحضور رفيع المستوى يضم نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وعددًا من الوزراء والمحافظين، ورؤساء الهيئات الاقتصادية، وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، والسفراء، وممثلي المؤسسات الدولية، إلى جانب كبار المستثمرين ورؤساء الشركات ورواد الأعمال، في رسالة واضحة تؤكد أن ريادة الأعمال أصبحت أحد الملفات الرئيسية على أجندة الدولة المصرية.
وخلال الاجتماعات التنسيقية، تابعت عن قرب رؤية صاحب الفكرة والمؤسس، الدكتور سومي سمارت فرانسيس، الذي نجح في تحويل GEF من مجرد مؤتمر دولي إلى منصة عالمية تجمع الحكومات، والمستثمرين، وصناديق التمويل، والشركات الكبرى، ورواد الأعمال، والجامعات، وحاضنات ومسرعات الأعمال، بهدف بناء منظومة متكاملة تدعم الابتكار، وتحول الأفكار الواعدة إلى مشروعات قادرة على المنافسة عالميًا.
ومن المقرر أن تستضيف القاهرة المهرجان خلال الفترة من 6 إلى 8 نوفمبر 2026، بمشاركة أكثر من 10 آلاف مشارك يمثلون أكثر من 70 دولة، وأكثر من 100 جهة عارضة، وما يزيد على 60 متحدثًا دوليًا من القيادات الحكومية والاقتصادية والاستثمارية ورواد الأعمال، بما يجعله أحد أكبر التجمعات الدولية المتخصصة في ريادة الأعمال على مستوى إفريقيا والشرق الأوسط.
كما تتسق استضافة المهرجان مع توجهات الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، نحو دعم الاقتصاد القائم على المعرفة، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص، وتشجيع الشركات الناشئة، وجذب الاستثمارات، وتوفير بيئة أكثر تنافسية للأعمال.
ولا تتوقف أهمية GEF 2026 عند كونه حدثًا اقتصاديًا دوليًا، بل تمتد آثاره إلى قطاعات السياحة والضيافة والنقل والخدمات، مع توقع استقبال أكثر من 10 آلاف زائر من مصر ومختلف دول العالم، فضلًا عن الفرص التي يوفرها لعقد شراكات تجارية واستثمارية جديدة، وفتح أسواق أمام الشركات المصرية والإفريقية، وربطها بمؤسسات التمويل والمستثمرين العالميين.
وربما يكون المكسب الأكبر من استضافة GEF 2026 هو إلهام جيل جديد من الشباب المصري والعربي ليؤمن بأن النجاح لم يعد يبدأ من البحث عن وظيفة، بل من امتلاك فكرة، والإيمان بها، وتحويلها إلى مشروع قادر على المنافسة عالميًا؛ فهذه هي الرسالة الحقيقية للمهرجان… وهذه هي لغة المستقبل.