على الرغم من أن البشرية تعيش اليوم في عصر الإنجازات التكنولوجية والعولمة والتكامل الثقافي، إلا أن المجتمع يواجه مشكلتين خطيرتين تهددان استقراره؛ وهما: الراديكالية (التطرف) والإسلاموفوبيا (رهاب الإسلام). وتعد هاتان الظاهرتان من العوامل الأكثر خطورة، إذ تغذي إحداهما الأخرى وتنخران جسد المجتمع من الداخل وتقوضان ركائز السلام والوئام.
وفي إطار مكافحة هاتين الآفتين يأتي كتاب "الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين" وهو مؤلف قيم صنفه معالي وزير الأوقاف المصري الفضيلة الشيخ أسامة الأزهري.
وجدير بالذكر أن المؤلف قد منح في عام 2025م حق ترجمة كتابه هذا إلى اللغة الأوزبكية لمركز الإمام البخاري الدولي للبحوث العلمية. وبناء على ذلك قام الباحثون العلميون في المركز بترجمة هذه الرسالة إلى اللغة الأوزبكية وإعدادها للنشر.
ويؤكد المؤلف في مقدمة الكتاب أن هذه الرسالة هي نتاج بحث علمي رصين قدمه نخبة من كبار العلماء والمتخصصين في "الأزهر الشريف". وتعكس الرسالة مضمون وجوهر البيانات والأفكار التي طرحتها التيارات السياسية المنسوبة إلى الدين على مدى الثمانين عاما الماضية. وقد أعدت هذه الرسالة لتوضيح عقيدة الإسلام الصافية وحماية المفاهيم الملتبسة والأفكار المضللة والمعتقدات الخاطئة من أن تنسب زورا إلى القرآن الكريم.
ويشير الكتاب إلى أن الرسالة تمثل دليلا تاريخيا مهما يعنى برصد المفاهيم وتعميمها واختصارها ومقارنتها وفصل الأصول والقواعد الجوهرية عن الأمور الخارجية والعارضة. كما تضمنت خلاصات وأحكاما فقهية وعلمية حول المناهج والمبادئ التي اعتمدت عليها أطروحات من يسمون اليوم بـ "المتخصصين في الشؤون الإسلامية" و"العلماء". ومن أمثلة ذلك: مسألة الحاكمية وقضية عهود ما قبل الإسلام والجهاد ومفهوم الخلافة والتشريع الإسلامي والعلاقات بين الدول الإسلامية وغيرها والحقوق والواجبات وعلاقة القوانين الوضعية بالشريعة ومفهوم الوطن وغيرها من المفاهيم الغامضة والمثيرة للجدل التي تسببت في سيل من التكفير وسفك الدماء منذ القرن الماضي حتى يومنا هذا.
لقد نزل الأزهر الشريف إلى ميدان المناظرة ليسير على نهج ابن عباس رضي الله عنهما في محاورة الخوارج وتفنيد شبهاتهم ومعضلاتهم الفكرية ثم أدرج هذا الحراك ضمن جدول البحوث العلمية. وبناء على خبرته العلمية المتراكمة سلط الضوء على الأفكار الخاطئة والتأويلات الملتبسة وعمل على توسيع النظم والمفاهيم التي يعتمد عليها العلماء في استنباط الأحكام من الوحي وكذلك المناهج والأسس العلمية المستخدمة في تهيئة هذا المجال للمناقشة. وكان رصد بيانات التيارات الفكرية المعاصرة وفتح أبواب المناظرة وإزالة المفاهيم المغلوطة والتأويلات المتطرفة المنسوبة إلى الوحي بمثابة النموذج الأول لمنهج علمي منضبط ورصين.
وفي هذا السياق يجدر بنا أن نقتبس ما جاء في كلمة فخامة الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائف في حفل افتتاح الدورة الثالثة والأربععين للمؤتمر العام لليونسكو:
"إن نشر الثقافة الإسلامية وقيم التنوير في العالم هو السبيل الأمثل لمكافحة الراديكالية والإسلاموفوبيا بفاعلية. وفي هذا الصدد ندعو المجمع الدولي للاستفادة المشتركة من المشاريع الفريدة التي أنجزت في أوزبكستان، مثل: مركز الحضارة الإسلامية ومراكز البحوث العلمية للإمام البخاري والإمام الماتوريدي والإمام الترمذي وبهاء الدين نقشبند".
الراديكالية: تشويه لجوهر الدين
الراديكالية هي تبني مواقف وأفكار متعصبة وصارمة واللجوء غالبا إلى أساليب عنيفة لتحقيق المآرب. واليوم تعمد الجماعات المتطرفة إلى تشويه مفاهيم الدين الإسلامي الحنيف لتغطية مصالحها السياسية الضيقة.
الحقيقة الأصيلة: الإسلام دين السلام والتسامح والرحمة. أما المتطرفون فيستغلون الجهل والأمية والمشاكل الاجتماعية لإيقاع الشباب في شباكهم.
مخاطر الراديكالية على المجتمع:
بث نزعات الكراهية والعنصرية بين الناس.
عرقلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول.
تدمير القيم الوطنية والدينية التي تشكلت عبر الآلاف من السنين.
الإسلاموفوبيا: عولمة الخوف والكراهية
الإسلاموفوبيا هي خوف غير مبرر وكراهية وتشكيك وتمييز ضد الدين الإسلامي والمسلمين. وقد تحولت الإسلاموفوبيا إلى مشكلة عالمية نتيجة قيام بعض وسائل الإعلام الغربية بإلصاق الجرائم التي ترتكبها الجماعات المتطرفة بالدين كله.
أضرار الإسلاموفوبيا على المجتمع:
الانقسام الاجتماعي: عزل المسلمين عن المجتمع والنظر إليهم كـ "مواطنين من الدرجة الثانية" يهدد التماسك الاجتماعي.
العنف والعدوان: تزايد حالات الاعتداء على الأبرياء والمساجد والمقدسات الدينية تحت تأثير الأفكار المعادية للإسلام.
تَهْيِئَةُ البيئة للمزيد من التطرف: الشباب الذين يتعرضون للتمييز والظلم سرعان ما يكونون صيدا سهلا للتيارات الراديكالية.
الحلقة الخطيرة: قوى يغذي بعضها بعضا
إن الأمر الأكثر أسفا هو أن الراديكالية والإسلاموفوبيا قد شكلتا حلقة مفرغة تستمر فيها كل ظاهرة في تنيية الأخرى وتغذيتها.
كيف نواجه هذه المخاطر؟
لا يمكن الانتصار على هذين التهديدين بالقوة العسكرية أو الأمنية فحسب، بل يتطلب ذلك نهجا شاملا ومنظما يقوم على:
التنوير والتعليم: إيصال الجوهر الحقيقي للدين وقيم التسامح والإنسانية إلى الشباب بشكل صحيح وتفنيد الأفكار الزائفة للمتطرفين على أسس علمية.
الحوار والتسامح: تعزيز مبادئ التسامح بين الثقافات والأدْيان المختلفة وتجاوز المخاوف والصور النمطية عبر الحوار البناء.
مسؤولية وسائل الإعلام: التخلي عن خطاب الكراهية في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي وتغطية المواضيع الدينية بموضوعية وإنصاف.
تعد كل من الراديكالية والإسلاموفوبيا أفكارا دخيلة وخطيرة على المجتمع بحد سواء إذ تسعيان إلى حرمان البشرية من حقها في العيش الآمن والمشترك. واليوم يتعين على كل مجتمع يسعى لتحقيق الاستقرار والمستقبل المشرق أن يحارب هذين التهديدين معا وأن يرد على الجهل بالتنوير والمعرفة. فالسلام ليس مجرد نزع للسلاح بل هو اقتلاع الكراهية من القلوب والعقول.